الحرية ـ صالح صلاح العمر:
في زمنٍ أصبحت فيه سرعة الإنترنت معياراً للتحضر، ما زالت وزارة الاتصالات لدينا تُصرّ على أن تكون شاهداً حياً على أن “البطء” ليس مجرد حالة تقنية، بل فلسفة متكاملة ومتجددة معاً، تدفع اشتراكك الشهري وكأنك تموّل مشروعاً فضائياً سرياً، ثم تفتح هاتفك لتكتشف أن الصفحة لا تزال “جارٍ التحميل” منذ الأمس، أما مقاطع الفيديو، فهي لا تُشاهَد بقدر ما تُتأمَّل، لقطة بلقطة، وكأن الوزارة تحاول إعادة إحياء فن السينما الصامتة.. الأسعار، حدث ولا حرج، يبدو أن هناك قناعة راسخة بأن المواطن كلما دفع أكثر، صبر أكثر، وكأن الخدمة لا تُقاس بالجودة، بل بقدرة المستخدم على التحمل النفسي، ليأخذ فيما بعد جائزة نوبل في الصبر والتحمل، تدفع مقابل “إنترنت سريع”، فتحصل على تجربة روحية تجعلك تتأمل معنى الانتظار، وتعيد التفكير في قرارات حياتك منذ ولادتك حتى الممات في مسقط رأسك،
أما الشبكة، فهي كضيف ثقيل الظل: تأتي بلا موعد، وتغادر دون اعتذار، أحياناً تظهر الإشارة كاملة (وهمية)، فقط لتذكّرك أن الأمل موجود، لكنه غير متاح حالياً، أما الوعود والتصريحات فتأخذ وزارة الاتصالات المرتبة الأولى فيها وبجدارة ومن دون منافس، المفارقة أن الوزارة لا ترى كل هذا، أو ربما تراه، لكنها تفضّل النظر إليه بسرعة الإنترنت نفسها: ببطء شديد، وربما لاحقاً، أو أبداً، أو في ما بعد،
أعلنت وزارة الاتصالات مُؤخراً، أن عدداً كبيراً من المواقع والتطبيقات التي كانت محظورة خلال سنوات النظام البائد، وفترة العقوبات الدولية على سوريا قد أُتيح الوصول إليها مجدداً، خطوةٌ وُصفت بأنها جزء من الانفتاح الرقمي وتحسين بيئة الإنترنت في سوريا الجديدة، لكن، وعلى أرض الواقع، يبدو أن الفجوة بين التصريحات والتجربة الفعلية ما زالت قائمة، فالكثير من المستخدمين (والعبد الفقير منهم) يؤكدون أن هذه المواقع والخدمات لا تزال غير متاحة، أو إنها تعمل بشكل متقطع، أو تتطلب وسائل التفاف مثل الشبكات الافتراضية للوصول إليها ، وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى تنفيذ هذه القرارات فعلياً، أو ما إذا كانت هناك عوائق تقنية أو إدارية تحول دون تطبيقها بشكل كامل، قد يكون السبب في ذلك مرتبطاً بالبنية التحتية للاتصالات المتهالكة، أو بتأخر تحديث أنظمة الحجب، أو حتى باستمرار بعض القيود المرتبطة بالسياسات الأمنية أو الاقتصادية، كما لا يمكن إغفال دور مزوّدي الخدمة المحليين، الذين قد يحتاجون إلى وقت أو توجيهات واضحة لتطبيق هذه التغييرات.
في كل الأحوال، وعلى بساط أحمدي، يبقى المستخدم (المواطن) هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يجد نفسه بين وعود رسمية لا تنعكس بشكل ملموس على تجربته اليومية، وواقع رقمي يقيّد وصوله إلى المعرفة والخدمات الحديثة.
إن تحقيق انفتاح رقمي حقيقي لا يقتصر على إصدار القرارات، بل يتطلب شفافية في التنفيذ، ومتابعة دقيقة، وتواصلاً واضحاً مع المواطنين، فالوصول الحر إلى الإنترنت لم يعد ترفاً، بل ضرورة أساسية للتعليم والعمل والتواصل مع العالم.
وبين التصريح والتطبيق، تبقى الحاجة ملحّة لسد هذه الفجوة، حتى لا تبقى الوعود مجرد كلمات، بل تتحول إلى واقع يلمسه الجميع.
أكثر تصريحاً وأقل طحيناً
Leave a Comment
Leave a Comment