الحرية– محمد زكريا:
شهدت سوريا خلال الأسابيع الماضية أمطار غزيرة غير معتادة، لم تشهدها المنطقة منذ عشرات السنين، وذلك في عدة مناطق من البلاد، لاسيما في المناطق الجبلية والغربية، أدت إلى تجمع كميات كبيرة من المياه في الأودية والأنهار الصغيرة، ومنها تشكلت السيول التي كادت أن تصل إلى المدن.
وحسب الخبير المائي المهندس بهاء ناشر النعم فإن من أبرز العوامل المؤثرة في ارتفاع منسوب المياه بسبب الهطولات الغزيرة وتشكل السيول، هي العوامل المناخية، مثل كمية الأمطار الكثيرة والوقت القصير الذي تسقط فيه، ونوع التربة التي تستقبل الأمطار، والتبخر، وعوامل أخرى من صنع الإنسان مثل قابلية السطح لامتصاص مياه الأمطار، ومستوى انحداره، ونظام التصريف فيه، موضحاً أنه كلما تحولت المناطق الطبيعية إلى مناطق حضرية مبنيّة، واتسعت رقعة الأسطح غير المنفّذة للمياه بسبب تعبيد الشوارع وانتشار الأبنية، تقل نسبة امتصاص الأرض لمياه الأمطار فيرتفع معدل الجريان السطحي.
الأمطار الوميضية
وأوضح النعم أن التغيرات المناخية التي طرأت على الهطولات المطرية ازدادت، حيث أصبحت الأمطار تسقط بكميات كبيرة وفي وقت قصير، وبدأت تظهر الأمطار الوميضية، الأمر الذي شكل ضغطاً على البنية التحتية من أجل تصريفها، ومنه يجب الاهتمام بتصميم الشوارع والمنحدرات بشكل جيد ومدروس على كميات كبيرة من المياه للحد من تجمع مياه الأمطار، وبالتالي فإن تجمع المياه بعد الهطولات الغزيرة مشكلة شائعة، خاصة في المناطق ذات البنية التحتية المتهالكة أو (التخطيط غير الملائم) والحلول تعتمد على دمج تقنيات التصريف السطحي، والتشجير، وتحسين نفوذية التربة.
حلول قصيرة المدى
ولفت النعم لـ”الحرية” إلى وجود بعض الحلول والتي تناسب الواقع المحلي ويمكن تطبيقها محلياً منها حلول قصيرة المدى (أقل من سنة) والتي تتميز بانخفاض التكلفة وسرعة التنفيذ والمتمثلة في تأهيل وتنظيف شبكات الصرف القائمة وإزالة النفايات والترسبات من الأنهار المفتوحة بشكل دوري، خاصة قبل موسم الامطار، مع إصلاح الأغطية المكسورة للبالوعات، وضمان عدم انسدادها بالأكياس البلاستيكية، إضافة إلى تعديل ميول الشوارع البسيطة، مع إعادة تسوية الإسفلت في المناطق المنخفضة التي تتجمع فيها المياه (نقاط التجمع) بزاوية ميل خفيفة نحو أطراف الشارع، فضلاً عن إنشاء قنوات تصريف سطحية مؤقتة (خنادق صغيرة) على جوانب الطرق غير المعبدة لتوجيه المياه، وضرورة انتشار التشجير السريع مثل زراعة أشجار سريعة النمو في الأرصفة (مثل الكينا) لزيادة امتصاص التربة للمياه، مع حمايتها .
متوسطة المدى
وحسب النعم فإن الحلول متوسطة المدى والتي تستغرق من (1-3 سنوات)، فهي تتطلب تخطيطاً واستثمارات محدودة، وتهدف إلى تحسين البنية التحتية تدريجياً منها: إنشاء أرصفة نافذة مثل استخدام بلاط خاص يسمح بتسرب المياه، بدلاً من الإسفلت، إضافة إلى توسيع الأرصفة وإنشاء حدائق مطرية ومنها تحويل الأرصفة العريضة إلى أحواض تشجير منخفضة (أقل من مستوى الرصيف) تستقبل مياه الأمطار من الشارع، وتصفيتها عبر النباتات والتربة، وتوجيه المياه إلى مساحات خضراء قريبة والتي تقوم على تصميم قنوات سطحية مكشوفة على جوانب الطرق لنقل المياه إلى حدائق عامة أو أراضٍ فارغة بدلاً من إغراق الشوارع.
طويلة المدى
وتعتمد الحلول طويلة المدى (أكثر من 3 سنوات)على إعادة تصميم البنية التحتية للمدينة بشكل مستدام من خلال تطبيق مفهوم “المدن الأسفنجية (Sponge City) ” ومنها تحويل المدينة إلى نظام يمتص المياه ويعيد استخدامها، عبر: أسطح خضراء على المباني الحكومية لامتصاص مياه الأمطار، وبحيرات اصطناعية صغيرة في الحدائق العامة لتخزين المياه للاستفادة منها في ري المسطحات الخضراء صيفاً، مع ضرورة تحديث شبكات الصرف الصحي، من خلال فصل شبكات مياه الأمطار عن شبكات الصرف الصحي (حالياً تكون مشتركة ما يسبب فيضانات) لإنشاء نظام مستقل لتصريف الأمطار، مع إعادة تصميم ميول الشوارع الكبرى، واستخدام خزانات أرضية تحت الشوارع .
تجارب دولية ناجحة
ونوه النعم إلى ضرورة الاستفادة من بعض التجارب الدولية في هذا الاتجاه والتي يمكن تطبيقها في سوريا فالتجربة الهولندية والتي تعتمد على الساحات المائية وهي فكرة تحويل الساحات العامة إلى أحواض تخزين مؤقتة للمياه أثناء الأمطار الغزيرة، وتكون متنزهاً في الأوقات العادية، في حين التجربة الألمانية تعتمد على “أنظمة التصريف اللامركزية”، من خلال إجبار أصحاب المباني الجديدة على امتلاك أنظمة خاصة لجمع مياه الأمطار من أسطحها (خزانات أرضية) وإعادة استخدامها، بدلاً من تحميلها على شبكة المدينة.