إعادة إنتاج القدرة.. مدخل بنيوي لتعافي الاقتصادات المنهكة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- رشا عيسى:
ينهضُ الاقتصاد من تحت الركام حين يستعيد المجتمع ثقته بقدرته على الإنتاج، ولا يعد تراجع الأرقام في جداول الحسابات الوطنية، أخطر ما تخلّفه الصدمات الممتدة، بل التآكل الصامت في قدرة المجتمع نفسه على إنتاج الحياة الاقتصادية. فعندما تطول الأزمات، لا يتقلص الناتج فقط، بل تنقطع السلاسل غير المرئية التي تربط العمل بالدخل، والدخل بالاستهلاك، والاستهلاك بالإنتاج. وهنا لا يعود التعافي مسألة سياسات مالية أو نقدية، بل يصبح سؤالاً وجودياً.. كيف نُعيد تكوين القدرة المجتمعية على العمل والإنتاج؟
ويضع الباحث والاستشاري في التحول الاقتصادي الدكتور ياسين العلي الحالة السورية في قلب تحليل بنيوي يتجاوز منطق “تحسين المؤشرات” إلى منطق إعادة بناء القدرة.

من اقتصاد منهك إلى مجتمع منخفض الإنتاجية

يرى الدكتور العلي في حديث لـ”الحرية” أن الاقتصادات التي تمر بأزمات طويلة لا تعاني من نقص الموارد فحسب، بل تدخل ما يمكن وصفه بحالة “انخفاض الطاقة الإنتاجية المجتمعية”. ففي هذه المرحلة، يعمل الاقتصاد عند حدٍّ أدنى يكفي للبقاء، لكنه يفتقر إلى القدرة الذاتية على التوسع أو التجديد، وتتآكل المهارات، وتتفكك الروابط المؤسسية، ويضعف التنظيم السوقي، ويتراجع الاستهلاك المستقر. ومع كل عام إضافي من الصدمة، تتعمق الفجوة بين توفر الموارد وبين القدرة الفعلية على استخدامها.
القدرة الإنتاجية المجتمعية
يطرح العلي ما يسميه “نموذج القدرة الإنتاجية المجتمعية”، الذي ينظر إلى الاقتصاد بوصفه بنية متكاملة من القدرات، لا مجرد منظومة موارد أو سياسات. وتشمل هذه القدرات، قدرة الأفراد على العمل والمشاركة المنتظمة في الإنتاج، وقدرة الأسر على الاستهلاك المستقر، وقدرة المؤسسات على التنظيم والتنسيق، وقدرة الأسواق على تحقيق توازن ذاتي.
وحين تتآكل هذه الطبقات معاً، يصبح النمو غير ممكن حتى لو توفرت استثمارات أو تدفقات مالية، لأن الحامل الاجتماعي للإنتاج يكون قد تضرر.

الحماية الاجتماعية

يؤكد الدكتور العلي أن الحماية الاجتماعية في الاقتصادات الخارجة من الصدمات لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مجرد آلية تعويضية. ففي الظروف البنيوية الهشة، تتحول الحماية إلى أداة لإعادة إنتاج المجتمع الاقتصادي ذاته.
فالدعم غير المرتبط بالإنتاج قد يمنع الانهيار الآني، لكنه لا يعيد بناء الدورة الاقتصادية. أما البرامج المرتبطة بالعمل، والتدريب، وإعادة تشغيل الأنشطة المحلية، فتعيد إدخال الأفراد في العملية الإنتاجية، وتوجد أثراً مضاعفاً يعيد تنشيط القاعدة الاقتصادية تدريجياً.

شروط التعافي البنيوي

بحسب العلي، لا يمكن الحديث عن تعافٍ مستدام دون توافر أربعة شروط مترابطة، وهي:
تثبيت الطلب الداخلي، وحماية رأس المال البشري، وتخفيض المخاطر البنيوية للمنتجين في بيئة شديدة التقلب، حيث يتحول الاستثمار- حتى الصغير منه – إلى مغامرة عالية المخاطر.
وتخفيض هذه المخاطر يعيد الثقة والحافز للإنتاج المحلي.

وإعادة بناء سوق العمل، القاعدة المحلية أولاً

تشير التجارب المقارنة إلى أن الاقتصادات الخارجة من الحروب أو الأزمات لا تستعيد حيويتها عبر المشاريع الضخمة أولاً، بل عبر إعادة تشغيل النشاطات القريبة من المجتمع.
وفي تجربة فيتنام بعد الحرب، سبقت إعادة تشغيل الزراعة المحلية ودعم الصناعات الصغيرة مرحلة التوسع الصناعي الواسع. إذ جرى تثبيت السلع الأساسية، وإعادة دمج العمالة، وتحريك الطلب الداخلي قبل الانتقال إلى التصنيع الكبير.
بالنسبة للعلي، يكشف ذلك قانوناً بنيوياً واضحاً، لا انتقالاً مباشراً من الانهيار إلى النمو، بل مرحلة تأسيسية لإعادة إنتاج القدرة الإنتاجية المجتمعية.
يوضح الدكتور العلي أن التحدي لا يقتصر على جذب الاستثمار أو تحسين بيئة الأعمال، بل يتمثل في إعادة بناء القدرة المجتمعية نفسها على حمل النشاط الاقتصادي.
فبدون إعادة تثبيت الطلب، وحماية رأس المال البشري، وإعادة دمج القوى العاملة، ودعم القاعدة الإنتاجية المحلية، سيبقى أي نمو محتمل هشاً وعرضة للانتكاس.

 

التعافي يبدأ من المجتمع

يرى العلي إلى أن التعافي الحقيقي لا يبدأ بارتفاع الناتج أو تحسن سعر الصرف، بل بعودة المجتمع إلى دورة متماسكة من العمل والإنتاج والاستهلاك. عندها فقط يصبح النمو نتيجة طبيعية، لا هدفاً مُعلّقاً على سياسات جزئية.
في الاقتصادات الخارجة من الصدمات الممتدة، ليست المعركة مع الأرقام، بل مع القدرة. وحين تُستعاد القدرة، تستعيد الأرقام معناها.

Leave a Comment
آخر الأخبار