الحرية ـ سامر اللمع:
في تطور دبلوماسي لافت يعكس تحولاً في الموقف الأمريكي تجاه سوريا، كشفت وكالة أسوشيتد برس أمس عن نية إدارة الرئيس دونالد ترامب المضي قدماً في التخطيط لإعادة فتح السفارة الأمريكية في دمشق، بعد إغلاقها منذ عام 2012.
وبحسب التقرير، فقد وجّه البيت الأبيض إخطاراً رسمياً إلى الكونغرس في العاشر من الشهر الجاري، أبلغ فيه المشرعين بعزم وزارة الخارجية اعتماد نهج تدريجي لاستئناف عمل البعثة الدبلوماسية في دمشق، على أن تبدأ الإجراءات التنفيذية خلال خمسة عشر يوماً، وتأتي هذه الخطوة في إطار إعادة رسم العلاقات السورية – الأمريكية، وسط تحولات استراتيجية تشهدها المنطقة.
من العزلة إلى الانخراط الدولي
ويشكّل توجه الإدارة الأمريكية لإعادة فتح سفارتها في دمشق، محطة سياسية مفصلية في مسار التحولات التي تقودها الإدارة السورية الجديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، فهذا التطور لا يمكن قراءته بوصفه خطوة دبلوماسية معزولة، بل باعتباره تتويجاً لمسار متدرج من إعادة التموضع السياسي والانفتاح الخارجي، ذلك المسار الذي أعاد رسم صورة سوريا في الإقليم والعالم بعد سنوات من العزلة والتوتر.
إن عودة التمثيل الدبلوماسي الأمريكي إلى دمشق تعني، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً عملياً بواقع سياسي جديد، يعكس تحولات داخلية وإشارات طمأنة خارجية دفعت باتجاه إعادة بناء الثقة بين سوريا والعديد من الفاعلين الدوليين.
رفع العقوبات.. بوابة التحول الاقتصادي والسياسي
يأتي هذا التطور في سياق متسلسل شهد رفع العقوبات التي فرضها الغرب على سوريا إبان عهد النظام البائد، وهو قرار فتح الباب أمام مرحلة مختلفة اقتصادياً ومالياً، ولم يكن مجرد إجراء تقني، بل حمل دلالات سياسية واضحة، أبرزها استعداد المجتمع الدولي للتعامل مع الحكومة الجديدة في سوريا كشريك شرعي في إدارة المرحلة المقبلة.
النتائج الأولية لهذا التحول بدأت تظهر في تحسن المناخ الاستثماري، وعودة قنوات التمويل والتعاون التنموي، إضافة إلى تحركات شركات إقليمية ودولية لاستكشاف فرص العمل داخل السوق السورية، كما أسهم رفع العقوبات في تعزيز قدرة الحكومة على تنفيذ برامج إصلاحية داخلية، سواء على مستوى البنية التحتية أو إعادة هيكلة بعض القطاعات الحيوية.
شرعية سياسية متجددة
أحد أبرز إنجازات المرحلة الحالية يتمثل في القبول الدولي المتزايد للحكومة السورية الجديدة، التي حرصت منذ التحرير على إجراء سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية والزيارات المتبادلة، كان من أبرزها زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس ترامب في البيت الأبيض، ما يعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه دمشق، هذا القبول لم يكن وليد لحظة، بل جاء نتيجة رسائل سياسية واضحة تبنتها قيادة الرئيس الشرع، تؤكد من خلالها التزامها بالاستقرار الداخلي والانفتاح المتوازن على مختلف الأطراف.
في هذا السياق، يمثل التخطيط لإعادة فتح السفارة الأمريكية، مؤشراً إضافياً على هذا التحول، إذ يعني ذلك أن واشنطن ترى في دمشق شريكاً يمكن الانخراط معه دبلوماسياً ضمن أطر رسمية ومباشرة، بدل الاكتفاء بالقنوات غير المباشرة.
شراكة أمنية لمحاربة الإرهاب
من العوامل الأساسية التي مهّدت لهذا التحول، انخراط سوريا في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، هذا القرار حمل دلالات استراتيجية، إذ أشار إلى رغبة واضحة في إعادة تموضع الدولة السورية ضمن منظومة الأمن الإقليمي والدولي، بعيداً عن الاصطفافات السابقة.
فالشراكة في ملفات مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الأمنية من شأنها أن تخلق أرضية مشتركة مع قوى دولية كبرى، وتعزز من صورة سوريا كفاعل مسؤول يسعى إلى استقرار المنطقة ويعيد الثقة السياسية لاتخاذ خطوات إضافية في مسار التطبيع الدبلوماسي مع دول العالم.
دلالات استراتيجية
تحمل الخطوة الأمريكية في التخطيط لإعادة فتح السفارة في دمشق، عدة أبعاد استراتيجية: فهي أولاً، تعني إعادة تفعيل قنوات التواصل الرسمية المباشرة، بما يسمح بإدارة الإشكالات، إن وجدت، ضمن أطر دبلوماسية مؤسساتية.
ثانياً، تشكل رسالة إلى بقية الدول الغربية بأن البيئة السياسية في سوريا باتت قابلة لإعادة الانخراط.
ثالثاً، تمثل هذه الخطوة رافعة اقتصادية غير مباشرة، إذ غالباً ما ترتبط العودة الدبلوماسية بتوسيع التعاون الاقتصادي والتنموي، كما أنها تعزز ثقة المستثمرين، الذين ينظرون إلى مستوى التمثيل الدبلوماسي كمؤشر على الاستقرار السياسي.
التخطيط لإعادة فتح السفارة الأمريكية في دمشق يمثل إنجازاً سياسياً يُحسب لإدارة الرئيس الشرع، ويعكس تحوّلاً عميقاً في موقع سوريا الإقليمي والدولي، وإذا ما استمر هذا الزخم، فقد تشكل المرحلة المقبلة بداية لتثبيت موقع سوريا كلاعب فاعل في النظام الإقليمي الجديد، قائم على الانفتاح المتوازن، والشراكات المتعددة، والمصالح المشتركة.