الحرية– سامي عيسى:
ليست المرة الأولى التي نتناول فيها مستويات الدخل، والحاجة الفعلية للأسر السورية للإنفاق على معيشتها اليومية والشهرية، إلا أن الواقع مازال على حاله لم يتغير، فهي تعاني منذ سنوات من تدهور مستمر في مستوى معيشتها، حيث تزداد الفجوة بين الدخل والاحتياجات اليومية، بالرغم من بعض التحسينات التي طرأت في الآونة الأخيرة، ما زال البحث عن معيشة أفضل يشكل هاجساً يومياً لمعظم الأسر السورية.
واقع المعيشة الصعب للأسرة السورية
يشير الواقع اليومي للأسرة السورية إلى أوضاع معيشية متدهورة بسبب الارتفاعات المتكررة للأسعار، وصعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية، ورغم التحسن الطفيف في سعر صرف الليرة السورية في الفترة الأخيرة، فإن هذا التحسن لم ينعكس بشكل ملموس على مستوى المعيشة للأسرة، حيث تبقى الفجوة كبيرة بين الأجور والأسعار.
فالعديد من الأسر السورية تجد نفسها مضطرة للتكيف مع مستويات معيشة منخفضة جداً، وأحياناً تحت مستوى الكفاف، حيث يواجه المواطنون صعوبة في تأمين أبسط احتياجاتهم اليومية، مثل الغذاء والمسكن، كما أن أسواق السلع تشهد حالة من الركود العام نتيجة لارتفاع تكاليف النقل والطاقة، مع بقاء الأجور ثابتة أو غير كافية لتلبية هذه الاحتياجات.
عدالة توزيع الثروة الوطنية وأثرها على مستوى المعيشة
ضمن سياق ما ذكرت يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن مستوى المعيشة يعتبر مقياساً لعدالة توزيع الثروة الوطنية بين الأفراد، وتعتبر عدالة توزيع الثروة من أهم العوامل التي تحدد مدى قدرة الأسر على تحسين مستوى معيشتها.
في هذا السياق، يشير عياش إلى أن الفجوة بين الدخل الفردي والمستوى المعيشي المطلوب تشير إلى أن الاقتصاد الوطني لا يساهم بشكل كافٍ في تحسين حياة المواطنين.
ومن خلال تقييم معايير الرفاء الاجتماعي مثل الدخل، جودة العمل، وساعات العمل، بالإضافة إلى النفقات على الغذاء، فإن الوضع في سوريا يتطلب إعادة نظر في كيفية إدارة الثروات الوطنية بشكل يعود بالنفع على جميع أفراد المجتمع.
التضخم وتدني مستوى الدخل
من هنا نجد أن معظم التقارير الاقتصادية تشير إلى أن الدخل الشهري للأسرة السورية يعجز عن تأمين كامل احتياجاتها الغذائية بشكل مرضٍ، فقد أصبحت نسبة الإنفاق على الغذاء من الدخل العام للأسرة أكثر من 40%، وهو ما يتجاوز المؤشرات العالمية التي تشير إلى أن الإنفاق على الغذاء يجب أن لا يتعدى 25% من إجمالي الإنفاق، تقديرات متوسطة الدخل للأسرة السورية تتراوح بين 3 و 5 ملايين ليرة شهرياً، فيما تصل تكاليف الاحتياجات الأساسية إلى نحو 9-12 مليون ليرة، ما يعكس عجزاً كبيراً في تأمين سلة الحاجات الأساسية.
ارتفاع الأسعار والفجوة الاقتصادية المستمرة
على الرغم من انخفاض بعض الأسعار في الآونة الأخيرة، فإن الأسعار عادت للارتفاع بشكل تدريجي، ما أجهض المفاعيل الإيجابية لزيادة الرواتب الأخيرة، في حين أن بعض السلع الأساسية شهدت انخفاضاً في الأسعار، إلا أن أسعار الوقود، الخبز، ووسائل النقل ارتفعت بعد تحرير أسعارها.
كما أن قيمة الرواتب بقيت ثابتة، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطن السوري.
ومع تزايد الفجوة بين الدخل والأسعار، بدأت الأسواق المحلية تشهد حالة من الركود الاقتصادي، حيث تبقى السيولة النقدية محدودة في السوق، ما يعيق تحفيز النشاط الاقتصادي وإعادة تنشيط الإنتاج المحلي.
دور الحكومة في معالجة الأزمات الاقتصادية
رغم الجهود التي تبذلها الحكومة لتحسين الواقع الاقتصادي، فإن معضلة التوزيع العادل للثروة وتحسين مستويات الدخل لا تزال تواجه تحديات كبيرة، ويعتقد الخبير الاقتصادي عياش أن الحكومة بحاجة إلى وضع خطة شاملة تتضمن تحسين إدارة الموارد، تطوير سياسات دعم فعالة للقطاع العام والخاص، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية للحد من الفجوة بين الطبقات الاجتماعية وتحقيق العدالة في توزيع الثروات.
صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية
الكثير من الخبراء أشاروا إلى أن مستوى المعيشة في سوريا ما زال متدنياً جداً، ولا يحقق حتى مستوى الكفاف، ورغم التراجع في أسعار بعض السلع الاستهلاكية، فإن غياب الاستقرار في الدخل وقوة العمل، وزيادة تكاليف المعيشة المرتبطة بالخبز والطاقة، يجعل من الصعب على الأسر تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والخدمات.
في نهاية الأمر
إن الوضع الاقتصادي الراهن للأسرة السورية يشكل تحدياً كبيراً أمام الحكومة والمجتمع على حد سواء، فارتفاع الأسعار وتدني الدخل والبطالة المستشرية يزيدان من معاناة الأسرة السورية.
ورغم بعض المحاولات لتحسين الوضع الاقتصادي، إلا أن العدالة في توزيع الثروة لا تزال أمراً غائباً، ما يزيد من اتساع الفجوة الاقتصادية بين مختلف الفئات الاجتماعية.
وهنا يبرز السؤال الأهم هل ستتمكن الحكومة من معالجة هذا الوضع؟ هذا سؤال يتطلب إجابة مقنعة مع حلول شاملة لتحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي للأسر السورية.