الأسواق العالمية تترقب… والنفط يقفز

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتهديد محتمل بإغلاق مضيق هرمز، عادت أسعار النفط إلى واجهة المشهد الاقتصادي الدولي، ليس كأرقام تتحرك على شاشات التداول فحسب، بل كمؤشر حساس يعكس توازنات القوة في الخليج ومسارات أمن الطاقة العالمي.

وأوضح الدكتور علي محمد، الخبير الاقتصادي، أن مضيق هرمز شريان حيوي لأسواق الطاقة، حيث يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، ما يجعل أي تهديد لحركته مؤثراً مباشرة على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية.

توقف الناقلات وارتفاع تكاليف التأمين

وأشار الدكتور محمد إلى أن توقف عشرات الناقلات خارج المضيق نتيجة المخاطر الأمنية وامتناع شركات الشحن عن الإبحار، أديا إلى تباطؤ حركة النفط ورفع تكاليف التأمين على السفن بنسبة كبيرة، ما انعكس فوراً على الأسعار.

وأضاف إن هذا التباطؤ، وإن لم يكن توقفاً كاملاً للإمدادات، يجعل الأسواق أكثر حساسية تجاه أي خبر سياسي أو عسكري في المنطقة.

كما أكد الخبير أن التحرك السعري الأخير للخام، الذي تجاوز 80 دولاراً للبرميل بعد ارتفاع فاق 13% في افتتاح أسواق النفط، يعكس تفاعل المستثمرين مع المخاطر الجيوسياسية أكثر من تأثير انخفاض الإنتاج الفعلي، حيث إن المخاطر تُترجم إلى “علاوة المخاطر الجيوسياسية” ضمن الأسعار.

دور التخزين في الحد من الأثر

وأوضح الدكتور محمد أن استمرار التوتر لفترة طويلة قد يؤدي إلى ضغط إضافي على الإنتاج، خصوصاً في حال بقي المضيق مغلقاً لفترة ممتدة، ما يجعل قدرة التخزين البري والبحري المحدودة عنصراً مؤثراً على قدرة الدول المنتجة على الاحتفاظ بالإنتاج دون تصدير.

وأشار إلى أن التخزين البري لدول الخليج يبلغ نحو 343 مليون برميل، بينما توفر ناقلات النفط الفارغة في البحر نحو 50 مليون برميل إضافية، وهو ما قد يوفر وقتاً محدوداً لاستيعاب الإنتاج في حال توقف حركة الملاحة.

تحرك أوبك+ لمواجهة التوترات

وحول دور تحالف أوبك+، أوضح الدكتور علي محمد أن المنظمة قررت زيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يومياً اعتباراً من أبريل/نيسان، ضمن استئناف الزيادات التدريجية بعد توقفها خلال الربع الأول من العام، وذلك بهدف دعم توازن العرض في السوق.

لكنه أكد أن أي إغلاق طويل لمضيق هرمز سيحد من فعالية هذه الزيادة على صعيد الإمدادات العالمية، إذ إن الصادرات ستتوقف عملياً حتى مع استمرار الإنتاج في دول الشرق الأوسط.

تأثير ارتفاع الأسعار على الاقتصاد العالمي..

وأشار الدكتور محمد إلى أن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن أصبح عامل ضغط إضافيًا على الأسعار، بما يعكس التداخل الواضح بين السياسة والأمن والاقتصاد في هذه المنطقة. وأضاف إن الأسواق لا تترقب الأرقام وحدها، بل تترقب الإشارات، ومع بقاء المضيق في دائرة التوتر، فإن أي تطور سياسي أو عسكري سريع يمكن أن يتحول إلى متغير سعري.

وأوضح الدكتور محمد أن البنوك الاستثمارية العالمية بدأت بإعداد دراسات لتوقع مسار الأسعار، متوقعين أن يصل سعر البرميل إلى مستويات بين 88 و100 دولار في حال استمرار التوترات، في حين يمكن أن تعود الأسعار إلى مستوياتها السابقة إذا خفت التوترات وعاودت حركة الناقلات السير بشكل طبيعي.

وبينما تتفاعل الأسواق مع هذه التحولات، أكد الدكتور محمد أن تأثير ارتفاع الأسعار لا يقتصر على النفط الخام فحسب، بل يمتد تدريجياً إلى تكلفة النقل والصناعة، ويزيد الضغوط التضخمية عالمياً.

وفي ظل اقتصاد دولي لم يتعافَ بالكامل من موجات التضخم السابقة، فإن أي صدمة في أسواق الطاقة تحمل آثاراً متشعبة تتجاوز حدود المنطقة، وتؤثر على الأسعار المحلية للوقود والمنتجات المرتبطة بالطاقة.

المضيق كمؤشر استراتيجي

وأشار الدكتور محمد إلى أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل عقدة استراتيجية تربط منتجي النفط في الخليج بأسواق آسيا وأوروبا، وأي تهديد لحركته يُعد اختباراً لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على امتصاص الصدمات.

وتابع إن توقف عشرات السفن في وضع انتظار يعكس حالة ترقب قوية من قبل شركات الشحن والمتعاملين في العقود الآجلة، ما يزيد من البعد النفسي للسوق ويجعل كل خبر أو إشاعة عن المخاطر عاملاً مباشراً في حركة الأسعار.

في المحصلة، يؤكد الدكتور علي محمد أن ما يحدث اليوم في سوق النفط هو إعادة معايرة دقيقة بين المخاطر الجيوسياسية وأدوات ضبط الإنتاج، حيث تتحرك الأسعار ضمن نطاق حساس قابل للاتساع أو الانكماش بحسب تطورات الأحداث. وبينما تحاول أوبك+ لعب دور صمام الأمان، يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر تأثيراً على معادلة الطاقة الراهنة، ومع استمرار التوترات، ستظل أسعار النفط متأثرة بعلاوة المخاطر الجيوسياسية حتى تتضح معالم المرحلة المقبلة.

Leave a Comment
آخر الأخبار