الأنوار الرمضانية.. إطلالات استثنائية مشرقة ومؤقتات موثوقة

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – رنا بغدان:

تنافس الناس على اختلاف شرائحهم الاجتماعية عبر التاريخ على إهداء وإنشاء القناديل وتوفيرها لإضاءة المساجد والأحياء بها، خاصة في ليالي رمضان والمناسبات الدينية، مثل ليالي النصف من رجب وشعبان وغيرها.. حتى صارت شعاراً لرمضان يميزه عن شهور السنة ومواسمها، كما تمت الاستعانة بها لإعلام الناس بثبوت رؤية هلال رمضان ولمعرفة وقت السحور والإمساك، وهكذا صارت زيادة الأنوار في المساجد علامة صادقة على ابتداء رمضان وانقضائه، فإذا دخل أضاءت وأزهرت وإذا غاب خمدت وانطفأت.
وتذكر الروايات التاريخية التي تتعلق بحياة أحد مشاهير الصحابة بأن أول من أسرج في المساجد كان “تميم بن أوس الداري” بعد أن كان مسجد النبيّ الكريم (صلى الله عليه وسلم) يُضاء بـ”سعَف النخل”, فقد ذكر قصته الكثير في مؤلفاتهم كرواية تاريخية بغض النظر عن قوة الإسناد أو ضعفه، نذكر منهم الحافظ ابن عبد البر الأندلسي وابن الأثير وابن حجر والذهبي وابن ماجه.. ويروى عن البخاريّ أنّ عمر بن الخطاب كان أوّل من علق المصابيح بالمسجد حين جمع الناس كلهم على إمام واحد في صلاة التراويح، وبذلك حوُّل إحياء ليل رمضان إلى نشاطٍ جماعيّ احتاج الناسُ فيه إلى الإضاءة والأنوار الإضافية فأشرق ليلُ المدينة النبوية بنور لم تعهده في سائر الشهور.
أما عن إضاءة الحرمين الشريفين تاريخياً فيورد “الأزرقي”  في “أخبار مكة” أنّ أول من “استصبح” أي “أوقد المصابيح” لأهل الطواف وأهل المسجد الحرام كان جَدّه “عقبة بن الأزرق بن عمرو الغساني” الذي كانت داره لاصقة بالمسجد، فكان يضع على جانبها مصباحاً عظيماً ليضيء لأهل الطواف وأهل المسجد، إلى أن رُفع حين جاء خالد بن عبد الله القسري فوضع مصباح زمزم مقابل الركن الأسود في خلافة عبد الملك بن مروان.
وعن تخصيص قناديل كبيرة لرمضان يقول “الأزرقيّ” أيضاً: إن الثريات التي كان “يُستصْبَح بها” أي يُستضاء بها في شهر رمضان ثماني ثريات: أربع صغار وأربع كبار، يُستصبح بالكبار منها في شهر رمضان.
وهكذا تحوّلت القناديل الرمضانية إلى تقليدٍ ثابتٍ للإضاءة في ليالي رمضان وصار للقناديل جزء من نفقات المسجد التي تُصرف من خزينة الدولة، وعن هذا يقول ابن الفقيه الهمذاني: (إن الخليفة الأموي معاوية كان أولُ من طيَّب الكعبة بـ”الخَلوق” وهو طِيبٌ زعفراني، و”المُجْمَر” وهو البخور، وأجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت مال المسلمين). كما كان الأمويون من أسرع حكام المسلمين إلى بذل الزينة الفاخرة في المساجد بما يليق بها من تنوير وتزيين، وقد أورد العديد من المؤرخين منهم ابن خلدون وابن كثير تفاصيل زينة الجامع الأمويّ وزخرفته ومن ضمنها القناديل.
وقد بلغت العناية بإضاءة المساجد إلى أنْ خُصِّص لها مكاناً لقناديلها وفوانيسها يُسمى “خزانة الزيت” فيه الشمع والزيت والقناديل, كما خصص لها من يرعاها ويزودها بالزيت ويشرف على صيانتها وكانوا يسمونه: “صاحب القناديل” أو “صاحب زيت المسجد”, وقد احتفظت لنا كتب التراجم بأسماء بعض من تولوا هذه “المهنة” منذ عهد الصحابة مما يدل على قِدمها.
وفيما بعد بدأ الناسُ في العالم الإسلامي يتوسعون في تعليق القناديل في المساجد بمناسبة حلول رمضان, وكان لمصر فيما بعد خصوصيّة لا تُنكر فيما يتعلق بالأنوار الرمضانيّة خاصّة منها “الفانوس”, وأورد المسعودي أن مسلمي مصر زادوا على إضاءة قناديل رمضان الزيتية إيقاد الفوانيس الشمعيّة. والفرقُ بين “الفانوس” و”القنديل” أن القنديل يوقد بالزيت أو النفط حديثًاً، وغالباً ما كان يصنع من الزجاج, بينما يوقد “الفانوس” بالشمع.

وعلى اختلاف الفترات الزمنية كان الاستدلال بالقنديل والفانوس معروفاً على وقت السحور بقاءً أو انقضاءً، بالإضافة إلى النداء بالتسحير الذي كان يقوم به المؤذنون بين الناس في بلاد المسلمين حتى في الصيام خارج رمضان، وأصبح عندهم ما يسمونه بـ”فانوس السحور”, فاعتادوا تعليق الفوانيس وجعلوها علَماً على جواز الأكل والشرب وغيرهما ما دامت معلقة موقودة وعلى تحريم ذلك إذا أنزلوها وقطعوا أنوارها..

وكان الملوك والولاة والأمراء يُهدون القناديل إلى المسجد الحرام والمسجد النبوي فتُعلَّقُ في سقوفهما، وتصبح منقبة تُذكر لمُهديها منهم, وكان يصنعها أمهر الصنّاع بأثمن المواد والخامات، ولذلك كانت مستهدَفة من اللصوص والغزاة. كما كان الحريق من أكثر وأخطر الحوادث التي كانت تصيب قناديل المساجد، ومن أكبرها الحريق الكبير في المسجد النبوي الشريف الذي وقع في أول أيام رمضان المبارك سنة 654هـ. ومع تطور العمران الحضاري تطورت فكرة الإنارة وتشعّبت الإضاءة وصنع القناديل والفوانيس كما تحولت على مر الزمن ومخالطة الحضارات والثقافات الأخرى إلى كنوز ثمينة توارثتها الأجيال.

Leave a Comment
آخر الأخبار