الإبداع الإداري في بيئة العمل… هل المشكلة في الموظف أم في المناخ التنظيمي؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:
في كل مؤسسة تقريباً، ثمة موظف وُصف يوماً بأنه محدود الأداء، قليل المبادرة، أو غير قادر على التطور. لكن المفارقة أن بعض هؤلاء أنفسهم يتحولون في مؤسسات أخرى إلى عناصر فاعلة ومؤثرة. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تتغير الكفاءة فجأة، أم أن ما يتغير هو البيئة التي تحتضنها؟
لم يعد الإبداع الإداري مفهوماً نظرياً يُتداول في أدبيات الإدارة الحديثة فحسب، بل أصبح معياراً حقيقياً لقياس نضج المؤسسات وقدرتها على الاستدامة. غير أن الإبداع لا يولد في الفراغ، ولا يُستخرج بالقوة من موظف يعمل تحت الضغط والخوف وانعدام الثقة.

تفاعل لا موهبة فردية

من منظور علم النفس التنظيمي، توضح الدكتورة زينة صوفي، اختصاصية الصحة النفسية، أن الأداء المهني ليس انعكاساً مباشراً للكفاءة الفردية فقط، بل نتيجة تفاعل مستمر بين شخصية الموظف والمناخ التنظيمي المحيط به.
وتشير إلى أن الشعور بالأمان النفسي داخل بيئة العمل يعد عاملاً حاسماً في إطلاق الطاقات الإبداعية. فالموظف الذي يشعر أن رأيه مسموع، وأن خطأه غير المقصود لن يتحول إلى أداة عقاب أو تقليل من شأنه، يكون أكثر استعداداً للمبادرة وتحمل المسؤولية.
وترى صوفي أن كثيراً من المؤسسات تخطئ حين تفصل بين الصحة النفسية والإنتاجية، في حين أن الرابط بينهما وثيق. فالموظف الذي يعمل في بيئة قائمة على الثقة والعدالة التنظيمية يكون أكثر التزاماً وانخراطاً، وأعلى قدرة على الابتكار.

الأمان النفسي مفتاح تحسين الأداء المؤسسي واستثمار الكفاءات

حين تتحول الرقابة إلى قيد

في المقابل، تعاني بعض بيئات العمل من ثقافة إدارية تركز على الضبط الصارم، وتضخيم الأخطاء، والرقابة التفصيلية على كل خطوة. في مثل هذه البيئات، تتراجع الدافعية تدريجياً، ويتحول الأداء إلى تنفيذ ميكانيكي خالٍ من روح المبادرة.
المشكلة هنا لا تكمن في نقص المهارة، بل في غياب المساحة الآمنة للتجربة. فالإبداع بطبيعته ينطوي على مخاطرة محسوبة، وإذا غاب التسامح مع الخطأ غير المقصود، يصبح الصمت خياراً أكثر أماناً من الاقتراح.
تؤكد دراسات الإدارة الحديثة أن المؤسسات التي تبني ثقافة تعلم مستمر، وتتعامل مع الأخطاء بوصفها فرصة للتحسين لا مناسبة للعقاب، تحقق نتائج أفضل على المدى البعيد. ذلك أن الإبداع لا يُفرض بقرار إداري، بل يُحفَّز عبر مناخ يسمح بالثقة والحوار.

أزمة إدارة أم أزمة كفاءات؟

يتكرر في بعض الخطابات الإدارية توصيف “ضعف الموظفين” أو “تراجع مستوى الكوادر”. غير أن هذا التوصيف غالباً ما يغفل سؤالاً جوهرياً: هل وفرت المؤسسة البيئة المناسبة لهذه الكفاءات كي تعمل بكامل طاقتها؟
الإدارة الحديثة لم تعد تكتفي بتوزيع المهام ومراقبة التنفيذ، بل بات دورها يتمثل في تمكين الموارد البشرية، وتوضيح الصلاحيات، وإشراك الموظفين في صنع القرار ضمن حدود واضحة.
غياب العدالة التنظيمية، أو غموض الأدوار، أو احتكار القرار في مستويات عليا دون إشراك فعلي لبقية الفريق، كلها عوامل تضعف الانتماء المؤسسي وتحد من الرغبة في المبادرة.
وفي هذا السياق، تشير صوفي إلى أن الشعور بالتقدير المعنوي لا يقل أهمية عن الحوافز المادية، إذ إن الاعتراف بالجهد وتعزيز الثقة يعمقان ارتباط الموظف بمكان عمله.

لماذا يزدهر الموظف في مكان ويفتر في آخر؟

الفارق غالباً لا يكون في الشخص ذاته، بل في الثقافة التنظيمية السائدة.
تضيف صوفي: حين تتوافر عناصر الأمان النفسي، ووضوح التوقعات، والشفافية في التقييم، تتحول الكفاءة إلى إنجاز ملموس. أما في البيئات التي يسودها التوجس أو التنافس غير الصحي، فإن الطاقات تُستنزف في الحذر بدلاً من توجيهها نحو التطوير.
الاستثمار الحقيقي في الموارد البشرية لا يبدأ بالدورات التدريبية فقط، بل بإعادة النظر في المناخ الداخلي للمؤسسة. فالتطوير المهني يصبح محدود الأثر إذا لم يواكبه تطوير في أساليب القيادة والتواصل.

نحو بيئة عمل داعمة للإبداع

بناء بيئة محفزة لا يتطلب حلولاً معقدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة إدارية واضحة.
وهنا تعدد الخبيرة بعض المتطلبات، مثل إشراك الموظفين في مناقشة القرارات التي تمس عملهم، تحديد الأدوار بدقة، اعتماد تقييم عادل وشفاف، وتوفير قنوات آمنة للتعبير عن الرأي، كلها خطوات تعزز الثقة وتنعكس مباشرة على الأداء.
المؤسسات التي تدرك أن الإنسان هو محور العملية الإنتاجية، وأن الإبداع نتيجة طبيعية لشعور الموظف بالأمان والانتماء، تكون أكثر قدرة على المنافسة والتكيف مع التحديات.
في المحصلة، تختم الصوفي، لا يمكن اختزال تراجع الأداء في ضعف فردي، كما لا يمكن مطالبة الموظف بالإبداع في بيئة لا تحتمل الاختلاف أو الخطأ. النجاح المؤسسي يبدأ من الداخل، من ثقافة ترى في الموظف شريكاً لا مجرد منفذ، وتدرك أن المناخ التنظيمي ليس تفصيلاً إدارياً، بل ركيزة أساسية لأي تطور حقيقي.

Leave a Comment
آخر الأخبار