الإدارة الناجحة: كيف نكسر جدار الترهل والروتين ونستعيد روح المبادرة والمسؤولية؟  

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – وليد الزعبي:

تشكل أزمة الإدارة بما تنطوي عليه من ترهل وظيفي ولا مبالاة وتهرب من المسؤولية، عبئاً ثقيلاً على حسن سير العمل وسرعة الأداء وتيسير مصالح الناس والنهوض بواقع الإنتاج، وتجاوز أزمة الإدارة تلك يستدعي التأسيس لإدارات ناجحة، تستطيع القضاء على الروتين، وتُحيد حالات الاستهتار، وتعزز ثقافة تحمل المسؤولية، وتقوم الأداء بشكل مستمر، وتحاسب على أي مخالفات وتجاوزات.

تساؤلات

عميد كلية التربية الثالثة بدرعا الدكتور هاشم الفشتكي في حديثه لـ”الحرية” حول موضوع الإدارة الناجحة، بدأ بعدة تساؤلات: كيف ننتقل من إدارة تسيير أعمال إلى إدارة صناعة نتائج؟ وكيف نتجاوز الروتين دون فوضى؟ وكيف نعزز ثقافة تحمل المسؤولية؟ مبيناً أنه لا بد في سبيل الوصول إلى إدارات ناجحة من تشخيص الداء بأدلة العلم والإدارة، وتناول هنا مشكلة الترهل الوظيفي، حيث يشير عالم الاجتماع البريطاني “سي. نورثكوت باركنسون” في قانونه الشهير إلى أن “العمل يتمدد ليملأ الوقت المتاح له”، بمعنى أنه كلما زاد عدد الموظفين دون هدف واضح، تضخمت الإجراءات وقل الإنتاج، والثمن هدر مال عام ووقت الناس، ثم تطرق إلى اللامبالاة ومتلازمة “التعلم العاجز” الذي يصفه عالم النفس “مارتن سليجمان” بأنه حين يتكرر شعور الموظف أن مبادرته لا تُرى ولا تُكافأ، يتعلم أن يسكت وينفذ فقط، وهنا تتحول المؤسسة إلى مجموعة موظفين يرددون: “ليس من اختصاصي”، والنتيجة موت الإبداع وفقدان ثقة المواطن، ثم أتي إلى التهرب من المسؤولية في ظل غياب المحاسبة، مستشهداً بقول الإداري الأمريكي بيتر دراكر: لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه، أي إنه حين تغيب مؤشرات الأداء الواضحة، يغيب صاحب القرار الحقيقي، ويصبح الجميع يوقّع ولا أحد مسؤول فيتعطل كل شيء باسم “الإجماع”، وذكر عميد الكلية أن الروتين لا يقل عبئاً عما سبق، لافتاً إلى أن الإجراءات المطلوب تطبيقها ينبغي تجسيدها كوسيلة لضبط العمل، لا أن تصبح غاية بحد ذاتها، ينتج عنها طوابير وتأخير وفتح باب للممارسات الخاطئة.

وصفة العلاج

وبيّن الدكتور الفشتكي، أن معالجة الداء تأتي عبر عدة مسارات، أولها القيادة بالقدوة، حيث إن المدير الناجح لا يجلس خلف المكتب، بل ينزل للميدان، يسمع، ويحاسب نفسه أولاً، كما في الأثر: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”. فالمدير خادم للهدف العام، لا حارس كرسي، وثانيها منح صلاحيات واضحة لمديري المكاتب، وربطها بمؤشرات قياس أداء، ومن أنجز يُكافأ، ومن قصر يُحاسب، وهنا لا منطقة رمادية، وثالثها الرقمنة وإعادة هندسة العمليات وتقليص الورقيات إلى الحدود الدنيا، واعتماد النافذة الواحدة، والربط الإلكتروني، والرد الآلي، وهي كفيلة بمجملها أن تقطع الطريق على عبارة “نامت المعاملة عند فلان”.

ثقافة المسؤولية

وركز عميد الكلية على أهمية بناء ثقافة المسؤولية الفردية، بعيداً عن ثقافة “هذا ليس شغلي” لأنها تؤدي لانهيار المؤسسة، أما إذا كان “المواطن هو المدير الحقيقي” فستنهض، على أن يكون التقييم الدوري لرضا المراجعين هو مقياس مدى نجاح المؤسسات في حال كانت خدمية، والتقييم الدوري لمستويات الإنتاج في حال كانت اقتصادية، ولجهة الترهل، أوضح عميد الكلية، أنه يُعالج بإعادة توزيع الكفاءات، ودمج الدوائر المتداخلة، وتأهيل من يحتاج تأهيلاً، فالمؤسسة ليست جمعية خيرية، بل هي آلة إنتاج خدمات، كما يقول الخبير الإداري “إدغار شاين”، ولم يغفل التنوية إلى أهمية وجود نظام حوافز عادل، إذ إنه وفقاً لنظرية التوقع لـ فيكتور فروم، فإن الإنسان يبذل جهداً إذا آمن بثلاثة أشياء: أن جهده سيؤدي لأداء، وأن الأداء سيؤدي لمكافأة، وأن المكافأة لها قيمة عنده، وحين تساوي الإدارة بين المجتهد والكسلان، فإن ذلك لا شك يقتل الدافع عند الاثنين، كما لفت إلى أن الشفافية تعد سلاح وقائي، وذلك عبر تسليط الضوء على زمن إنجاز المعاملة مثلاً، وأسماء المسؤولين، وآليات الشكوى على موقع المؤسسة، إذ إن ذلك يغلق باب التأخير والتجاوز قبل أن يبدأ.

معادلة بسيطة

وختم الدكتور الفشتكي بالقول: الإدارة الناجحة معادلة بسيطة تتشكل من القيادة القدوة والصلاحيات الواضحة والمحاسبة العادلة والشفافية، مضيفاً: إذا أردنا وطناً ينهض، علينا أن ننهي عصر الترهل ونبدأ عصر الأمانة، فالوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بمعاملة تنجز في وقتها، وموظف يشعر أنه صاحب قضية، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا} [النساء: 58]، والأمانة اليوم هي الوقت والخدمة.

Leave a Comment
آخر الأخبار