الحرية ـ صالح صلاح العمر:
لم تكن زيادة الرواتب الأخيرة في سوريا مجرد قرار مالي عابر، بل جاءت كإشارة واضحة إلى تحسين الواقع المعيشي للموظف وإعادة ترتيب أولويات الدولة في التعامل مع القطاع العام، فبينما شملت الزيادة جميع العاملين تقريباً، برزت ملامح “تمييز إيجابي” لبعض الوظائف التي اعتُبرت أكثر أهمية في المرحلة القادمة، منها الأوقاف والقضاء والتعليم والصحة والرقابة المالية، ولكن يبدو أن “الوظائف المميزة” أصبحت مثل نادٍ مغلق لا يُفتح أبوابه إلا لمن يحمل بطاقة VIP مختومة بختم “نحن مهمون أكثر من غيرنا”.
أما الإعلاميون، أولئك الذين يملؤون الصحف والشاشات صخباً ويُفترض أنهم “صوت الناس”، فقد تُركوا خارج الباب، يلوّحون بميكروفوناتهم وأقلامهم كأنها بطاقات دعوة لم تصل.
أي مفارقة هذه؟ مهنة تدّعي التأثير في الرأي العام، وتوجيه النقاش، وصناعة النجوم، لا تجد لنفسها مقعداً بين “النخبة الوظيفية” ربما لأن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد ساعات البث، ولا بعدد المتابعين، بل بمدى الندرة، والإعلامي في زمن المنصات لم يعد نادراً، بل صار متوفراً بالجملة، كأي سلعة في موسم التخفيضات.
ثم لنسأل ببراءة: ماذا سيحدث لو تم ضم الإعلاميين إلى نادي المميزين؟ هل سترتفع جودة المحتوى فجأة؟ هل ستختفي عناوين “صدمة” و“لن تصدق ما حدث”؟ أم سنحصل فقط على مزيد من الامتيازات لمن يجيدون الحديث أكثر مما يجيدون الفعل؟
الواقع إن استبعاد الإعلاميين يعتبر خطوة في الطريق الخطأ وقد يكون، بشكل غير معلن، اعترافاً قاسياً أن هذه المهنة، رغم ضجيجها ومخاطرها، لم تعد تحتكر المعرفة ولا التأثير، الجمهور لم يعد ينتظر نشرة الثامنة ولا عموداً في صحيفة، بل يصنع نشرته الخاصة على هاتفه، وهنا تصبح “الوظيفة المميزة” هي تلك التي لا يمكن استبدالها بتطبيق أو بخوارزمية.
لو أراد الإعلاميون الانضمام إلى تلك القائمة، فعليهم أولاً أن يقنعوا الناس أنهم ليسوا مجرد ناقلين للخبر، بل صانعون للقيمة، أما حتى ذلك الحين، فسيبقون خارج النادي، يغطّون الحدث، دون أن يكونوا جزءاً منه.
نعم، أولئك الذين يشرحون للعالم كل شيء، من أسعار البندورة إلى أحوال الطقس وإلى توازنات السياسة الدولية، اكتشفوا فجأة أنهم خارج تصنيف “التميّز” ربما لأن التميّز هذه المرة لم يُقَس بعدد الكلمات في الدقيقة، ولا بقدرة المذيع على قول “دعني أقاطعك” دون أن يرف له جفن، والحقيقة المرة أنه على زمان النظام البائد كان للصحفي مرتب مقطوع ومرتب آخر اسمه استكتاب وثالث اسمه العمل في التلفزيون على نظام البونات.
قد يكون الأمر سوء فهم إداري ربما ظنّت الجهة المسؤولة أن الإعلامي كائن متعدد الاستخدامات، يعمل في كل شيء، وبالتالي لا يمكن حصره في خانة “مميز” أو ربما تم اعتباره “خدمة عامة” مثل الطقس، مهم، نعم، لكن لا أحد يتوقع أن يصبح الطقس موظفاً مميزاً.
والاحتمال الأرجح أن القائمة اعتمدت معياراً صادماً: الأثر الفعلي، وهنا تبدأ المشكلة، لأن الأثر في الإعلام الحديث أصبح يقاس بعدد المشاهدات، لا بعمق الفكرة، وعدد “الترندات”، لا بوزن الحقيقة، فكيف تُقنع لجنة جادة أن “حلقة ساخنة” عن جدل عابر تستحق امتيازات خاصة؟
المفارقة أن بعض الإعلاميين سيغضبون من هذا التهميش (والعبد الفقير منهم) وسيعبرون عن غضبهم عبر برامجهم وأقلامهم، التي لن تكون -للمفارقة أيضاً- ضمن قائمة المحتوى المميز.
في آخر المطاف، ربما علينا أن نشكر هذه القائمة، لأنها قدمت درساً بسيطاً: ليس كل من يظهر كثيراً يُعتبر مهماً، وليس كل من يتحدث يُسمع، أما الإعلاميون، فربما حان الوقت ليغطّوا هذا الحدث بموضوعية ولو لمرة واحدة، بوصفهم “غير معنيين”.
الإعلاميون خارج قائمة التميز!
Leave a Comment
Leave a Comment