الحرية – بشرى سمير:
يمثل الاستثمار في التعليم العالي ركيزة أساسية للتنمية المستدامة في أي مجتمع، وهو استثمار في البشر والطاقات الإبداعية التي تشكل الثروة الحقيقية للأمم. في سوريا، يكتسب هذا الموضوع أهمية استثنائية كونه مدخلاً لإعادة الإعمار والتنمية الشاملة.
فرص وتخصصات لإعادة البناء
يقول الدكتور عماد سعيد من جامعة دمشق “فرص الاستثمار في التعليم العالي كبيرة جداً، خاصة فيما يتعلق بالتخصصات والأبحاث النوعية التي يمكن التركيز عليها، مثل تخصصات تخدم إعادة الإعمار كالهندسة المدنية والعمارة، وإدارة الكوارث، والطب وإعادة التأهيل”. كما “يمكن تطوير أبحاث مرتبطة بالاحتياجات المحلية مثل الطاقة البديلة تدوير الأنقاض الزراعة في الظروف الصعبة، والصحة المجتمعية”
ولفت سعيد إلى أهمية إعادة بناء جسور التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية العالمية، والاستفادة من برامج التبادل الأكاديمي .
الفرص الاقتصادية والتنموية المتوقعة
وأشار سعيد إلى أنه “مع بدء عمليات إعادة الإعمار ستنشأ حاجة كبيرة للكفاءات في مجالات الهندسة، الإدارة، التخطيط الحضري والخدمات”. وأكد أهمية “تطوير برامج في التكنولوجيا الحديثة، البرمجة، الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن أن تكون مصدر دخل حتى في ظل الظروف الحالية” بالإضافة إلى الاستثمار في التعليم التقاني الذي يوفر كفاءات عملية سريعة الانخراط في سوق العمل.
التحديات المالية والهيكلية
من جانبه أشار الدكتور يحيى عبد الله المدير المالي السابق في جامعة دمشق إلى أن معظم المؤسسات التعليمية تعاني نقص التمويل وضعف البنية التحتية، وندرة المعدات الحديثة والمختبرات المتطورة وأضاف؛ هناك حاجة ملحة لتحديث المناهج الدراسية وتعزيز البحث العلمي وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل .
ولم ينكر عبد الله وجود تحديات بشرية مثل هجرة الكفاءات العلمية، أثرت سلباً على جودة التعليم مع نقص في أعضاء هيئة التدريس المؤهلين في تخصصات دقيقة، كما تطرق إلى تراجع القدرة المالية للأسر، وصعوبة وصول الطلاب من المناطق النائية، وتأثير الأزمة على البيئة التعليمية
دور محوري في إعادة دمج الشباب وتعزيز دور المرأة.
ولفت عبد الله إلى أنّ التعليم العالي يوفر فرصة لإعادة دمج الشباب في الحياة المنتجة وتجنب المخاطر الاجتماعية، كما أوضح أنه يمكن للاستثمار في التعليم أن يسهم في تعزيز دور المرأة في عملية إعادة البناء، مشيراً إلى أن تطوير أنظمة التعليم عن بعد يمكن أن يوفر فرصاً لأكبر عدد من الطلاب رغم التحديات اللوجستية.
أولوية وطنية وشراكات فاعلة
وحول سبل نجاح الاستثمار في التعليم العالي بيّن عبد الله أنه “لابدّ من جعل التعليم العالي أولوية في السياسات الوطنية، وزيادة الميزانيات المخصصة له، وتحديث القوانين المنظمة للتعليم العالي لتشجيع الاستثمار الخاص مع ضمان الجودة، ومنح الجامعات استقلالية أكاديمية وإدارية أكبر للاستجابة لاحتياجات مناطقها”.
وشدد على أنه من الناحية المؤسسية من الأهمية بمكان بناء شراكات بين الجامعات والقطاع الخاص لتوجيه البرامج الدراسية نحو الاحتياجات الفعلية وأضاف: “لابد من إنشاء هيئات مستقلة لضمان جودة التعليم والاعتماد الأكاديمي، والاستثمار في تطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس والإداريين”.
التعاون الدولي: جسر لإعادة الاندماج
مع التأكيد على “استخدام التعاون الأكاديمي كجسر لإعادة الاندماج في المجتمع الدولي”، اقترح عبد الله “التفاوض على منح دراسية للطلاب السوريين في الجامعات العالمية، واستضافة خبراء دوليين، وتشجيع الباحثين السوريين في الخارج على المشاركة في تطوير النظام التعليمي
وختم عبد الله بأنه “رغم التحديات، شهدت السنوات الأخيرة مبادرات تستحق الإشادة، مثل تطوير بعض البرامج التعليمية عن بعد في عدة جامعات (كالجامعة الافتراضية)، وإطلاق مشاريع بحثية مشتركة مع مؤسسات دولية في مجالات الصحة والزراعة”.
وأضاف: “الاستثمار في التعليم العالي بات ضرورة إستراتيجية لإعادة بناء الإنسان السوري والقدرة الوطنية على التطوير والإبداع. النجاح في هذا المجال يتطلب رؤية واضحة، وإرادة سياسية، وشراكة بين القطاعين العام والخاص، ودعم دولي ذكي”.
قرار إستراتيجي لا يحتمل التأجيل
وأكد أن “التعليم العالي الجيد هو الضامن لتخريج جيل قادر على قيادة عملية إعادة الإعمار بفكر حديث، وقيم إنسانية، ومهارات عملية تلبي احتياجات المرحلة القادمة. وهو قرار إستراتيجي لا يحتمل التأجيل”.
الاستثمار في المستقبل
الارتقاء بجودة التعليم العالي لا يخدم الأفراد فحسب، بل يبني مجتمعات قائمة على المعرفة، قادرة على المنافسة العالمية، ومزودة بأدوات مواجهة التعقيدات الحديثة. لذلك، يجب أن يكون هذا الاستثمار أولويةً وطنية يُخطط له بعناية، ويُتابع تنفيذه بدقة، ويُقيَّم أثره بموضوعية، لضمان تحقيق العائد المنشود؛ مجتمع مزوّدَ بكفاءات مؤهلة، قادرة على البناء والابتكار، وتحقيق الرفاهية للجميع.