يحتاج بناءً جديداً بمرتكزات مختلفة.. الاقتصاد السوري اليوم على مفترق طرق

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- رفاه نيوف:

يمرّ الاقتصاد السوري بمرحلة انتقالية دقيقة يمكن توصيفها بأنها مرحلة ما بعد الانهيار وليس مرحلة التعافي، وبعد سنوات طويلة من الاستنزاف الشامل اقتصادياً، بشرياً واجتماعياً، تكتسب الإشارات الصادرة عن مؤسسات دولية، بما فيها صندوق النقد الدولي، أهمية تحليلية لا بوصفها شهادة تعافٍ، بل كمؤشرات أولية على تغيّر الاتجاه العام للاقتصاد من مسار الانحدار الحرّ إلى مسار الاستقرار النسبي.
الخبير الاقتصادي المتخصص في إدارة الازمات مهند الزنبركجي يرى في حديثه لـ “الحرية” أن الحديث عن “ملامح انتعاش” لا يستند إلى نمو حقيقي أو توسع اقتصادي بالمعنى المتعارف عليه، بل إلى تحسن في مؤشرات البقاء الاقتصادي، و يظهر ذلك في تباطؤ وتيرة التدهور و عودة محدودة للوظائف الأساسية للأسواق المحلية، وقدرة نسبية أفضل على إدارة الندرة بدل الانزلاق إلى الفوضى.
كما يلاحظ تنشيطاً جزئياً لدورات اقتصادية صغيرة، خاصة في الزراعة والتجارة الداخلية والخدمات منخفضة الكلفة، مدفوعة بمرونة القطاع الخاص الصغير وتكيف الأفراد مع بيئة مازالت بيروقراطية في اتخاذ القرارات وتوفير التسهيلات.

إدارة أكثر انتظاماً

على مستوى المالية العامة، يضيف الزنبركجي، لا يمكن الحديث عن تحسن بنيوي، إلا أن هناك إدارة أكثر انتظاماً للإيرادات المحدودة، واتساعاً نسبياً في أدوات التحصيل، مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بالتشظي وفقدان السيطرة، يضاف إلى ذلك تشكل أنماط اقتصادية بديلة، كاقتصاد المشاريع الصغيرة والتحويلات التي تعكس قدرة المجتمع على ابتكار حلول معيشية خارج الأطر التقليدية.

الحاجة لرؤية واضحة

ويؤكد الزنبركجي أن هذه المؤشرات، مهما بدت إيجابية، تظل هشة وقابلة للارتداد ما لم تدار ضمن رؤية واضحة. فالانتقال من حالة “التحمل” إلى “الاستدامة” يتطلب حزمة إجراءات عملية تركز على إعادة توجيه الموارد المحدودة نحو الإنتاج بدل استنزافها في الاستهلاك غير المنتج. ويأتي في مقدمة ذلك دعم الزراعة، الصناعات الغذائية و تمكين المشاريع الصغيرة و المتوسطة باعتبارها الأكثر قدرة على خلق قيمة محلية وتشغيل اليد العاملة.
كما أن تحسين بيئة الأعمال لم يعد ترفاً إصلاحياً، بل شرط بقاء للنشاط الاقتصادي، ويبدأ بتبسيط الإجراءات، ضبط الرسوم، ومعالجة الفساد اليومي منخفض المستوى الذي يشكل العائق الأكبر أمام أي مبادرة إنتاجية. ويتكامل ذلك مع ضرورة الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار النقدي عبر سياسات واقعية تقلل من التمويل بالعجز، وتعيد ترتيب الأولويات في استخدام الموارد.
أما التحويلات المالية، فهي تمثل أحد أهم مصادر السيولة المتاحة حالياً، لكن قيمتها الحقيقية لا تتحقق إلا إذا جرى تحويلها من دخل استهلاكي إلى رأسمال منتج، عبر قنوات رسمية وآمنة، وحوافز استثمارية مدروسة.

مفترق طرق

ولفت الزنبركجي إلى أنه عند هذه النقطة، يصبح واضحاً أن الاقتصاد السوري يقف على مفترق طرق: إما الاستمرار في إدارة أزمة طويلة الأمد، وإما الشروع في بناء اقتصاد جديد بمرتكزات مختلفة، وهذا المسار يتطلب إصلاحاً مؤسساتياً حقيقياً يعيد الاعتبار للشفافية، ويؤسس لقضاء اقتصادي مستقل ويضع قواعد واضحة و مستقرة للاستثمار، كما يتطلب – قبل كل شيء- إعادة بناء الثقة: ثقة المواطن بالدولة، وثقة المستثمر بالبيئة الاقتصادية، وثقة الشركاء الخارجيين بإمكانية الاستقرار طويل الأجل.
ما يتحقق اليوم ليس تعافياً، بل فرصة نادرة لمنع ضياع ما تبقى، و الانتقال إلى اقتصاد سوري قوي لن يكون نتيجة تحسن تلقائي، بل حصيلة قرار سياسي-اقتصادي واعٍ، يختار الإنتاج، والمؤسسات، و الإنسان، كأساس لأي نهوض مستقبلي.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار