«البطاقة».. فن كتابة الرسائل القصيرة والمراسلات السريعة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- رنا بغدان:

قبل شيوع الكتابة، كان الإيجاز في أساس عناصر البلاغة الخطابية عند العرب، فدَرجوا على أن «البلاغة في الإيجاز»، وبشيوع الكتابة بقي الإيجاز أحد عناصر الأسلوب البليغ احترازاً من الحشو والتكرار على حساب المعنى.
وفي أدب الترسُّل والمراسلات، ظهر فنٌّ في الإنشاء الكتابي أخذ اسم «التوقيعات» بما يشبه «البطاقات» في الكتابة المعاصرة.. ومع تطور فنون التعبير وتعدد أقنية الفكر وتشعب حاجات الإنسان الحياتية صار «الاختصار» مطلباً أساساً في فنّ الكتابة، ومن هنا تكمن القيمة في العودة إلى الخطوط البدئية لأدب التوقيعات والبطاقات في التراث العربي..
والكتاب «رسائل ابن أبي الخصال» تحقيق الدكتور محمد رضوان الداية أوفى مرجع لاستقراء هذا اللون من جوامع الكلِم بما يغري إلى مثل هذه الدراسة واستلهامه في بناء أدب البطاقة المعاصرة.

فنُّ «البطاقة»

«البطاقة» هي رسالة قصيرة وسريعة تكتب بأسلوب فني لطيف منمق فصيح وبليغ، يختصر فيها الكاتب مقصده في كلمات ويشير إلى الواقعة التي كتبت الرسالة من أجلها، ويحملها صاحب الرسالة بيده إلى ذي الشأن وقد تكون شعراً أو نثراً أو شعراً ونثراً معاً، حتى غدت في ذلك الحين فناً بحد ذاته من فنون الكتابة.. وهي باعتبارها رسالة قصيرة وسريعة لا يحتاج كاتبها إلى وقت ليدقق في ألفاظه.
وينمّق في عباراته ليقدم غرضه الذي كتبت الرسالة من أجله بمقدمات تطول وتتفرع ليصل إلى الغرض الذي يريد أن يعرضه على الإنسان الذي تُوجه إليه الرسالة، فهي تناسب عامل السرعة كما يقال وتذكرنا بنماذج مشابهة تستخدم وتتداول في وقتنا الحاضر.. فهذا «ابن أبي الخصال» نجده في بطاقاته يقدم ألطف الكلمات وأرق العبارات وأفصحها ليبسط الحديث عن غرضه باختصار، مطرزاً عباراته بالسجع وفنون النثر المختلفة، موشياً كتابته إن اقتضى الأمر ببعض الشعر والأمثال وذكر الآي الحكيم والأحاديث الشريفة، مضمّناً حديثه بالدعاء وذكر بعض الأعلام عارضاً ذلك كله وفق منهج واضح ومتميز معاً: فهو يبدأ بمقدمة ثم العرض فالنهاية بتناسق ونظام، كما ينهي أغلب بطاقاته بعبارة «إن شاء الله» دليل توخيه الوصول إلى الغاية، وفق قدرته على إيراد ذلك كله في مكانه المناسب دون إقحام ما يعزز حديثه ويرفده بفنون شتى تجذب جميع الأذواق المحبة للقراءة.

أغراض البطاقة

للبطاقة أغراض عديدة ومتنوعة وبما أنها رسالة مختصرة، فهي قد تتلاءم وجميع المناسبات والظروف التي تصادف الانسان من شفاعة ووساطة وتوصية إلى شكر أو اعتذار أو تعزية أو تهنئة أو وصف وقد تتعرض حتى لوصف النفس البشرية وما تنطوي عليه من مشاعر كالصدق والمودة أو النفاق والغدر.

التعزية

ولابن أبي الخصال بطاقات عديدة في التعزية، منها بطاقة تعزية في سيدة جمع فيها النظم والكتابة وهذا ما نلاحظه في الكثير من البطاقات المعاصرة التي نتداولها فيقول:
(إني أعزيك لا أني على ثقة
من البقاء و لـكـن ســـنـة الــديـــن
فما المعزى بباق بعد صاحبه
و لا المعزي و إن عاشا إلى حين
هذا وللسلوان مذاهب لا تذهب على ذي نظر، ولا تغيب على ذي تأمل وتدبر.. وأنت –أيّدك الله– فوق أن تنبه بوعظ.. والله يجعلها آخر الرزايا، ويحرس الأولياء و الولايا بمنه..).

الشفاعة

وتقسم إلى الشفاعة العامة والشفاعة الخاصة، فمن رسائله في الشفاعة العامة بطاقة زود بها بعض مستميحي أهل الفضل، وهي ليست مرفوعة إلى أحد معين، وغرض ذلك المستميح أن يلتقط في موسم الصيف ما يجود به أهل الكرم، ويقول فيها:
(الصيفة -أكرمكم الله– موسم التقاط ومعلم استظهار على القوت واحتياط، وفلان قد نظم مآثركم وأنتم بكرم انفعالكم تنتبهون إلى مواساته وتسدّون من خلاته، إن شاء الله).
وفي الشفاعة الخاصة نجد له رسائل شتى منها رسالة يتوسط فيها عند رجل لتخفيف وجيبة عن أحد معارفه، وله رسالة يتوسط فيها لفارس ليعطى فرساً من الخيل الموقوفة لأهل الخير، وأخرى في تزكية رجل عند ذي جاه، وله حين قصد دار صديق له من ذوي الشأن ليتوسط لديه في أمر رجل في رسالة توصية من شخصية أخرى فوجده نائماً فاختصر مقصده في بطاقة تركها له على باب الدار.

الوصف

ويقسم الوصف إلى قسمين، الأول يصف أشياء حسية مادية والثاني يصف أشياء نفسية.. فله في الأول عدة بطاقات يصف فيها ما يقع عليه بصره من مشاهد وطرائف كوصف ليالي أنس كان يحضرها جميلة كانت أو غير ذلك، أو وصف نار فحم تتراقص طرباً وهي تستهزئ من الخشب الذي يحترق، أو في صفة سماع غناء.
كما نجد له بطاقات في وصف النفس البشرية ومشاعرها وأخلاقياتها وقيمها كالصدق والمودة أو النفاق والغدر وما إلى ذلك من أوصاف دفينة تلمسها وتكتشفها الأحاسيس.. فنراه يصف انساناً فاضلاً تحلى بأجمل الصفات وأسمى الأخلاق وأحمدها فيقول:
(وكيف أؤدي شكر من إن شكرته
على بر يوم زادني مثله غدا
فإن رُمت أقضي اليوم الذي مضى
رأيت له فضلاً علي مجدداً)
يذكر أن ابن أبي الخصال (1073م – 1146م) هو فقيه ومحدّث وأديب ومؤرخ وشاعر ووزير أندلسي، لقِب بـ«ذي الوزارتين»، تشرفت الخطابة والكتابة باعتزائهما إليه، فترك لنا مؤلفات مصنفة ومقامات ورسائل مطولة وكان رائداً من رواد الكتابة في فنّ جديد متميز ولطيف في كتابة الرسائل القصيرة التي دعوناها بـ«البطاقات».

Leave a Comment
آخر الأخبار