البنك الدولي في قلب التغيير السوري.. رهانات إعادة الإعمار والنمو

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- رشا عيسى:
تدخل سوريا مرحلة جديدة من الإصلاح الاقتصادي، مع بدء الشراكة مع البنك الدولي، وبينما يبدي البعض تفاؤلاً، يظل القلق يساور آخرين حول الأثمان السياسية التي قد تترتب على هذا التعاون.

خطوة إلى الأمام أم فخّ اقتصادي؟

تستمر سوريا في العمل مع البنك الدولي على مجموعة من المشاريع التي تستهدف إصلاح القطاعات الأساسية مثل الطاقة، الصحة، والتعليم، وقد تم إطلاق برامج مساعدات فنية في مجالات الإصلاح المالي والمصرفي والإحصاءات، من أبرز المشاريع التي يتم دعمها من قبل البنك الدولي هو مشروع طوارئ الكهرباء (SEEP) بقيمة 146 مليون دولار، والذي يهدف إلى إعادة تأهيل خطوط نقل الكهرباء بين سوريا والأردن وتركيا. هذا المشروع يُعتبر حجر الزاوية لإعادة بناء القطاع الكهربائي السوري الذي يعاني من انهيار واسع منذ سنوات.
وبينما يرحب البعض بهذا التعاون على أنه بداية لمرحلة جديدة، يطرح الباحث والخبير في إدارة الأعمال الدكتور سعد بساطة تساؤلاته حول حقيقية هذه التحالفات، محذراً من أن البنك الدولي لا يُعد مجرد مؤسسة مالية، بل هو مركز للسياسة والتأثير، وربط القروض بشروط سياسية قد تكون ضارة.

تجارب سابقة

و في حديثه لـ”الحرية”، يستعرض الدكتور بساطة تجربتين تاريخيتين سلطتا الضوء على الأبعاد السياسية وراء المساعدات الدولية، وأثرها السلبي على الاقتصادات الوطنية:
حادثة مصر 1958: عندما تم سحب قرض بناء السد العالي بعد تأميم قناة السويس، ما دفع مصر للبحث عن مصادر تمويل بديلة من الاتحاد السوفييتي.
والأزمة البرازيلية في الثمانينيات: كيف أدت حزمة الشروط المجحفة التي فرضها صندوق النقد الدولي إلى انهيار الاقتصاد البرازيلي، مع زيادة معدلات الفقر والفساد، حتى أصبحت البرازيل تُعاني من أزمات خانقة.
ويقول الدكتور بساطة: إن هذه الأمثلة لا تُعد إلا جزءاً صغيراً من سلسلة من التجارب السلبية التي تَظهر فيها المؤسسات المالية الدولية كأداة للضغط السياسي، أكثر من كونها داعمة للاقتصاديات الضعيفة.

مسار محفوف بالتحديات

وفقاً لتقرير البنك الدولي، تواجه البلدان النامية مثل سوريا تحديات هائلة بسبب تكاليف خدمة الديون المرتفعة، بالإضافة إلى التمويل الخارجي المحدود، في عام 2024 بلغ الفارق بين تكاليف خدمة ديون هذه البلدان والتمويل الجديد نحو 741 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق منذ أكثر من 50 عاماً، هذه الأرقام تسلط الضوء على الأزمة الاقتصادية العميقة التي يعاني منها العديد من الدول النامية، بما في ذلك سوريا.
وبينما يواصل البنك الدولي دعم الدول مثل سوريا، يتم التركيز على بناء المؤسسات وتعزيز الأنظمة العامة، خصوصاً في مجالات مثل الطاقة والمياه والصحة والنقل. إلا أن الدكتور بساطة يُعبّر عن قلقه من أن مثل هذه الاتفاقات قد تفتح الباب أمام المزيد من التدخلات السياسية في الشؤون الداخلية لهذه البلدان.

التمويل أولاً

من بين أهم التحديات التي تواجه دول مثل سوريا والسودان ولبنان في مساعي إعادة الإعمار، تأتي قضية التمويل في مقدمة القائمة، وبالرغم من الجهود الدولية لإعادة بناء البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، يبقى التمويل العقبة الكبرى. حيث أن إعادة الإعمار تتطلب مبالغ ضخمة، وهو ما قد يكون صعباً في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها هذه الدول، خاصة في ظل الديون المرتفعة والظروف السياسية المعقدة.

العودة إلى السيادة الاقتصادية

يتطرق الدكتور بساطة إلى تجارب دول أخرى، مثل البرازيل تحت قيادة الرئيس لولا دا سيلفا في بداية الألفية، التي رفضت سياسات صندوق النقد الدولي واستعادت سيادتها الاقتصادية. من خلال رفع الضرائب على الأغنياء، وتحقيق دعم مباشر للأسر الفقيرة، تمكنت البرازيل من تجاوز أزمتها الاقتصادية وإعادة بناء اقتصادها على أسس أكثر استدامة.

الشراكة الاستراتيجية

يرى الدكتور بساطة أن التعاون مع البنك الدولي يجب أن يُنظر إليه بعين الحذر، خاصة في ظل القروض المشروطة والشروط السياسية التي غالباً ما ترافقها، إن المشاريع التي تدعمها المؤسسات الدولية قد تكون بداية لإعادة الإعمار، ولكنها في الوقت ذاته قد تكون محفوفة بالمخالفة.
ومع مرور الزمن، قد تُصبح هذه الاتفاقات عبئاً على الاقتصاد السوري، وتفرض قيوداً جديدة على استقلاليته الاقتصادية.
تُظهر التجارب الدولية أنه لا يمكن الاعتماد كلياً على المؤسسات الدولية في حل الأزمات الاقتصادية، بل يجب على الدول أن تسعى دائماً لتحقيق توازن بين الشراكات الدولية وبين تعزيز سيادتها الاقتصادية، لتحقيق النمو المستدام بعيداً عن الضغوطات الخارجية.

Leave a Comment
آخر الأخبار