الرصد المطري يدخل مسار التحول الرقمي الزراعي.. والفعالية مرهونة بالتطبيق العملي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – محمد زكريا:
أعلنت وزارة الزراعة مؤخراً إطلاق المنصة الوطنية السورية للهطولات المطرية “غياث”، حيث تأتي في إطار التوجه نحو رقمنة البيانات الزراعية، وتعزيز استخدام التقنيات الحديثة في إدارة الموارد الطبيعية، وحسب ما ذكرته الوزارة فإن هذه المنصة تهدف إلى جمع وتحليل بيانات الأمطار في مختلف المناطق السورية، بما يسهم في دعم التخطيط الزراعي وتحسين اتخاذ القرار في القطاع الزراعي.
ويرى العديد من أصحاب الاختصاص أن إنشاء منصة رقمية لمتابعة الهطولات المطرية يمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، وخاصة في بلد يعتمد جزء كبير من زراعته على الأمطار، إلا أن تقييم فعالية هذه المبادرة يتطلب النظر إليها من زاوية علمية وتقنية أعمق.

دقة البيانات

الخبيرة في تربية النبات والإحصاء الحيوي الدكتورة انتصار الجباوي أشارت إلى أن توافر قاعدة بيانات وطنية للهطولات المطرية يمكن أن يشكل أداة مهمة للباحثين والمخططين الزراعيين، إلا أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المنصات لا تكمن فقط في عرض البيانات، بل في دقة هذه البيانات وشموليتها وإمكانية استخدامها في اتخاذ قرارات زراعية واقعية.
وبيّنت الجباوي لـ “الحرية” أن أحد أبرز التساؤلات التي تطرحها مثل هذه المنصات يتعلق بكثافة شبكة محطات الرصد وتوزيعها الجغرافي، فوفق المعايير العلمية الدولية، كلما ازدادت كثافة محطات الرصد المناخي تحسنت دقة تحليل التباين المكاني للهطولات المطرية، وفي حالة سوريا، التي تمتد على مساحة تقارب 185 ألف كيلومتر مربع وتضم تنوعاً كبيراً في البيئات الزراعية والمناخية، فإن الاعتماد على 166 محطة فقط قد يترك فجوات مكانية في البيانات، وخاصة في المناطق الزراعية الواسعة.

أهمية خاصة

وأشارت الجباوي إلى أن هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة لأن الهطولات المطرية بطبيعتها ظاهرة شديدة التباين المكاني، حيث قد يختلف مقدار المطر بشكل ملحوظ بين منطقتين متقاربتين جغرافياً، ما يجعل كثافة المحطات عاملاً حاسماً في دقة التحليل، موضحة أن فعالية أي نظام لرصد الأمطار تعتمد أيضاً على نوعية محطات القياس المستخدمة، فالمحطات الحديثة الأوتوماتيكية لا تقيس الهطول المطري فقط، بل تسجل أيضاً عناصر مناخية أخرى مثل درجة الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح والإشعاع الشمسي ومعدلات التبخر، وهي بيانات ضرورية لتحليل الاحتياجات المائية للمحاصيل وتطوير نماذج التنبؤ الزراعي، ومن دون توافر هذه المعطيات المتكاملة، قد تبقى البيانات المطرية مؤشراً عاماً مفيداً للرصد، لكنها غير كافية وحدها لدعم القرارات الزراعية الدقيقة، مبيّنة أن نجاح أي منصة رقمية يعتمد أيضاً على موثوقية البيانات واستمرارية تحديثها، وهو تحدٍ معروف في كثير من شبكات الرصد المناخي في المنطقة، حيث تعاني بعض المحطات من مشكلات تتعلق بالصيانة أو انقطاع التسجيل أو تأخر إدخال البيانات.

أساس علمي

ونوهت الجباوي بأن الخدمة المتعلقة بـ حاسبة الري التكميلي وتحتاج إلى أساس علمي أوسع حتى تكون ذات فائدة حقيقية للمزارعين، إذ إن تحديد الاحتياجات المائية للمحاصيل لا يعتمد على كمية الهطول المطري فقط، بل يرتبط بعوامل عديدة تشمل نوع التربة، والمحصول المزروع، ومرحلة نمو النبات، إضافة إلى معدلات التبخر والنتح والظروف المناخية المحلية، مضيفة إن غياب هذه المعطيات قد يجعل نتائج مثل هذه الحاسبات تقديرية أكثر منها دقيقة، ما يحد من إمكانية الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات ري حقيقية في الحقول.

تحويل البيانات إلى معلومات

كما أن نجاح المنصة يتطلب التفكير في كيفية وصول المعلومات إلى المزارعين أنفسهم. فالمشكلة في كثير من الأنظمة الرقمية الزراعية لا تكمن في نقص البيانات، بل في ضعف انتقال هذه البيانات إلى المستخدم النهائي، وفي بلد لا تزال فيه نسبة كبيرة من المزارعين تعتمد على الإرشاد الزراعي التقليدي، يصبح من الضروري ربط مثل هذه المنصات ببرامج الإرشاد الزراعي ووسائل الاتصال المباشر مع المزارعين، حتى تتحول البيانات الرقمية إلى معلومات إرشادية قابلة للتطبيق في الحقول، وحسب الجباوي فإن تطوير منصة “غياث” مستقبلاً ينبغي أن يتجه نحو الدمج بين بيانات الرصد الأرضي وبيانات الأقمار الصناعية ونماذج التنبؤات الجوية، وهو التوجه الذي تعتمده حالياً العديد من أنظمة المعلومات المناخية الزراعية في العالم، فهذا التكامل يسمح ليس فقط برصد ما حدث من هطولات مطرية، بل أيضاً بالتنبؤ بالمخاطر المناخية القادمة مثل فترات الجفاف أو موجات المطر الغزير، وهو ما يشكل قيمة حقيقية للمزارعين وصناع القرار على حد سواء، ومنه فالاستثمار في نظم المعلومات المناخية الزراعية أصبح ضرورة ملحة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، التي تؤثر بشكل مباشر في استقرار الإنتاج الزراعي.

التحول الرقمي الزراعي

وعليه يمكن النظر إلى منصة “غياث” على أنها بداية مهمة في مسار التحول الرقمي الزراعي في سوريا، لكنها تبقى خطوة أولى تحتاج إلى تطوير مستمر من حيث توسيع شبكة محطات الرصد، وتحسين جودة البيانات، وتعزيز التكامل العلمي والتقني، حتى تتحول إلى أداة فعالة لإدارة المخاطر المناخية ودعم استدامة الإنتاج الزراعي.

Leave a Comment
آخر الأخبار