دمشق تعود إلى خريطة التحول الطاقي العالمي من بوابة” IRENA”

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- رشا عيسى:

تتحول الطاقة تدريجياً لتصبح لغة سياسية واقتصادية جديدة في عالم باتت فيه الطاقة عنواناً للسيادة ومؤشراً على موقع الدول في النظام الاقتصادي العالمي الجديد، فالدول التي تعجز عن تأمين طاقتها المستدامة، تعجز لاحقاً عن حماية نموها واستقلال قرارها.
من هذا المنطلق يمكن قراءة الحضور السوري في أعمال الجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) وفي “أسبوع الاستدامة في أبوظبي” كإشارة مبكرة إلى محاولة إعادة إدراج ملف الطاقة ضمن معادلة السيادة والتنمية معاً. 
ويشير الباحث والاستشاري في إدارة التحول الدكتور ياسين العلي في حديث لـ”الحرية” إلى أن التحول الطاقي العالمي لم يعد مساراً بيئياً منفصلاً، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي، حيث تُعاد صياغة علاقات الإنتاج والاستثمار والتمويل على أساس الاستدامة والمعرفة.

قراءة تتجاوز البروتوكول

ووفق تحليل الدكتور العلي، فإن مشاركة سوريا في أعمال “IRENA” لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتعلّق بمحاولات إعادة التموضع داخل المنظومة الدولية بعد سنوات من الانكفاء القسري.
فالدول الخارجة من الأزمات، كما يوضح، تحتاج إلى بوابات مؤسسية “منخفضة السياسة وعالية التقنية” لإعادة الاندماج، والطاقة المتجددة تشكّل اليوم واحدة من أكثر هذه البوابات فاعلية.
ويضيف إن تزامن المشاركة مع “أسبوع الاستدامة في أبوظبي” يضاعف من قيمتها، لأنه يفتح قنوات غير مباشرة مع الفاعلين الحقيقيين في اقتصاد الطاقة و صناديق الاستثمار، والمؤسسات التمويلية، والشركات التكنولوجية، وليس فقط الحكومات.

بنية ناعمة لإدارة التحول

يرى الدكتور العلي أن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة تمثل أنموذجاً جديداً للحوكمة الدولية، يقوم على المعرفة والأدوات التحليلية لا على الإلزام السياسي، فالدول المنضوية تحت مظلتها لا تُدار من خلال قرارات فوقية، بل عبر بيانات ونماذج وسيناريوهات تتيح لكل دولة صياغة مسارها الخاص.
ومن هذا المنظور، فإن اقتراب سوريا من العضوية الكاملة لا يعني فقط الحصول على دعم فني، بل الدخول في فضاء عالمي لتبادل المعرفة وبناء السياسات على أساس المقارنة والتجربة.

الفجوة ليست في الموارد

يؤكد الدكتور العلي أن النقاش حول الطاقة المتجددة في سوريا غالباً ما يُختزل في سؤال الموارد، بينما تكمن الفجوة الحقيقية في أدوات التخطيط والإدارة فالتنوع المناخي والجغرافي يمنح البلاد إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والرياح، إلا أن غياب الرؤية طويلة الأمد حال دون تحويل هذه الإمكانات إلى نظام طاقي متماسك.
ويشير إلى أن الانخراط مع “IRENA” يتيح الانتقال من منطق المشاريع المتفرقة إلى منطق “الهندسة الطاقية الوطنية”، حيث تُبنى الشبكات والمزيج الطاقي والاستثمارات وفق نماذج علمية لا اجتهادات ظرفية.

رافعة اقتصادية واجتماعية

وبحسب قراءة الدكتور العلي، فإن القيمة الحقيقية للطاقة المتجددة لا تكمن فقط في إنتاج الكهرباء، بل في أثرها المتشعب على الاقتصاد والتنمية، فالتحول الطاقي يمكن أن يخفف الضغط على المالية العامة، ويعيد توزيع النشاط الاقتصادي نحو الأرياف والمناطق الطرفية، ويدعم قطاعات الزراعة والصناعة الصغيرة.
ويعتبر أن الطاقة اللامركزية تمثل فرصة لإعادة بناء النسيج الاقتصادي المحلي، خصوصاً في المناطق التي يصعب ربطها سريعاً بالشبكات التقليدية.

من التفاعل إلى الشراكة

يشير الدكتور العلي إلى أن اقتراب دمشق من استكمال متطلبات العضوية الكاملة في “IRENA” يشكّل نقطة تحوّل مؤسسية، لأنها تنقل البلاد من موقع المتلقي أو المراقب إلى موقع الشريك في صياغة سياسات التحول الطاقي.
ويضيف إن هذا التحول يفتح الباب أمام دعم فني أعمق، وتسهيل الوصول إلى التمويل المناخي، وبناء قدرات وطنية قادرة على إدارة مشاريع كبيرة ومعقدة.

مدخل لإعادة تعريف الدولة التنموية

يرى الدكتور العلي أن ملف الطاقة المتجددة لا ينبغي التعامل معه كقطاع مستقل، بل كمدخل لإعادة تعريف الدولة التنموية نفسها، فالدولة التي تنجح في إدارة تحولها الطاقي، تنجح في إعادة بناء اقتصادها، وتعزيز سيادتها، وتثبيت موقعها في عالم يتغير بسرعة.
وفي عالم لم تعد فيه الطاقة خياراً أخلاقياً أو بيئياً فقط، تصبح القدرة على إدارة التحول الطاقي شرطاً من شروط البقاء والمنافسة، ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الحضور الدولي بحد ذاته، بل في القدرة على ترجمة هذا الحضور إلى سياسات ومشاريع ملموسة تصنع اقتصاد الغد.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار