التداوي الذاتي.. سلوك يتسع ومخاطر تتصاعد

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – فادية مجد:

تمدّد التداوي الذاتي خلال السنوات الأخيرة حتى غدا ممارسة يومية لدى شرائح واسعة من الناس، الذين باتوا يلجؤون إلى الدواء قبل الطبيب، ويعتمدون على خبراتهم الشخصية أو نصائح المحيطين بهم لتشخيص أمراضهم وعلاجها.

هذا التحوّل يعكس ضغطاً اقتصادياً متزايداً ووعياً صحياً متراجعاً، ويكرّس اعتقاداً خاطئاً بأن الأدوية المتاحة في الصيدليات يمكن أن تحلّ محلّ الاستشارة الطبية، رغم ما يحمله هذا السلوك من مخاطر قد تصل إلى حدود تهديد الحياة.

آراء الناس: دوافع تتجاوز المرض

وفي استطلاع أجرته صحيفة «الحرية»، قالت سمر علي إن التداوي الذاتي أصبح خيارها الأول لأن زيارة الطبيب باتت عبئاً مالياً لا تستطيع تحمّله، فتكلفة المعاينة والفحوصات تتجاوز قدرتها، لذلك تلجأ إلى المسكنات وخوافض الحرارة ريثما تتحسن، مؤكدة أن التجربة المتكررة جعلتها تثق بأن الدواء وحده يكفي في معظم الحالات.

أما رامي ديوب فأوضح أنه يعتمد على خبرته الشخصية في التعامل مع الأمراض البسيطة، فهو يعرف – كما يقول – ما يناسب جسده، لافتاً إلى أن الصيدلي يمنحه العلاج بسرعة دون انتظار أو فحوصات، ولهذا لا يرى ضرورة لمراجعة الطبيب في كل مرة يشعر فيها بصداع أو ألم معدة.

وذكرت هبة سلمان أن نصائح الأقارب تمنحها شعوراً بالاطمئنان، فلكل فرد في العائلة «دواء مجرّب» يوصي به، وهي ترى أن الأمراض الشائعة مثل الرشح والسعال وآلام الظهر ونوبات الرمل وتشنج الكولون لا تحتاج إلى استشارة، معتبرة أن الطبيب غالباً سيصف الأدوية نفسها المتاحة في الصيدلية، لذلك تفضّل توفير الوقت والمال والاكتفاء بما هو متاح أمامها.

ومن جهته، قال يوسف علي إن الظروف الاقتصادية هي السبب الرئيسي الذي يدفعه إلى هذا السلوك، فهو يختار الدواء الذي يستطيع شراءه لا الدواء الذي يجب أن يتناوله طبياً، ويخشى أن يطلب الطبيب تحاليل أو صوراً شعاعية لا قدرة له على تحمل تكلفتها.

انتشار واسع ومخاطر متصاعدة

من جانبه أفاد نقيب صيادلة طرطوس، هلال صبره، في تصريح صحفي، بأن حجم التداوي الذاتي اليوم ضخم ومتزايد، وأن الغالبية العظمى باتت تعتبره خط دفاع أول لعلاج الأمراض البسيطة والشائعة.

وأوضح أن أكثر الأدوية استخداماً بلا وصفة هي المسكنات وخوافض الحرارة وأدوية البرد والسعال والزكام ومضادات الحموضة والهيستامين والمكملات الغذائية والفيتامينات، وهي أصناف باتت في متناول الجميع وتُستخدم غالباً دون أي استشارة طبية، مبيناً أن الرقابة الدوائية تُقسم إلى ثلاث فئات تبدأ بالأدوية الخاضعة للرقابة المشددة، ثم الأدوية التي تُصرف بوصفة، وصولاً إلى الأدوية التي لا تحتاج لوصفة، مشيراً إلى أن الخطورة الكبرى تكمن في صرف المضادات الحيوية دون وصفة، إذ يؤدي ذلك إلى نشوء جراثيم مقاومة تُعد اليوم من أكبر المهددات للصحة العامة عالمياً، ما يجعل علاجها أكثر صعوبة ويزيد من احتمالات انتشارها، خاصة مع الاستخدام العشوائي للصادات في حالات لا تحتاجها.

ولفت صبره إلى أن حملات التوعية موجودة لكنها لا تزال في بداياتها، وأن الوضع الاقتصادي المتردي يدفع الناس أكثر نحو التداوي الذاتي لتقليل النفقات، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر سوء الاستخدام، مؤكداً أن غياب الوعي الصحي يضاعف المشكلة ويجعل كثيرين يخلطون بين الأمراض الفيروسية والجرثومية، فيلجؤون إلى الصادات الحيوية بلا داعٍ، ما يفاقم مقاومة الجراثيم ويضعف فعالية العلاجات المتاحة، ويزيد من الأعباء على القطاع الصحي.

طبيب داخلية: تغير مسار المرض وتأخر التشخيص

وأوضح الدكتور حسن حسن، اختصاصي الداخلية وأمراض الكلى، أن التداوي الذاتي يغيّر في كثير من الأحيان مسار المرض ويؤخر التشخيص، وقد يقود إلى نتائج خطيرة على صحة المريض، مبيناً أن تناول المسكنات، وخاصة مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية مثل الديكلون والبروفين، قد يحجب العلامات الأساسية التي يعتمد عليها الطبيب، مشيراً إلى أن المرضى كثيراً ما يعودون إلى الأدوية التي وُصفت لهم سابقاً، ويكررون تناولها بلا ضوابط، خصوصاً في الأمراض المزمنة التي تسبب آلاماً مستمرة، ما قد يؤدي إلى قرحات هضمية ونزوف وثقوب خطرة، وإلى تضرر الكلى لدى كبار السن والمصابين بالسكري أو ارتفاع الضغط أو بدايات القصور الكلوي.

وأضاف حسن إن المسكنات الأكثر سلامة مثل الباراسيتامول قد تترك تأثيرات سلبية عند الإفراط في استخدامها، أما المضادات الحيوية فتُستخدم بكثرة وبشكل خاطئ في حالات لا تحتاجها مثل الزكام الفيروسي، ما يؤدي إلى قتل الجراثيم المفيدة وظهور ذراري جرثومية معندة، وهي مشكلة تتكرر كثيراً في التهابات البول.

وختم بالإشارة إلى أن بعض الأهالي يعطون أبناءهم الصاد الحيوي فور حدوث أي عرض بسيط، معتقدين أنهم يقدمون العلاج الصحيح، بينما هم يرسخون واحدة من أخطر مشكلات الصحة العامة.

Leave a Comment
آخر الأخبار