الحرية ـ جواد ديوب:
أصبحت التصاميم الفنية التي نشاهدها في الأعمال الدرامية تشكِّلُ جمالياتٍ خاصة يتفنن فيها المخرجون والمصممون الفنانون الذين يمتلك بعضهم ذائقةً تشكيليةً تجعل من المشهد لوحاتٍ بصرية تبقى في ذاكرة المُشاهد بل تترك أثرها في وجدانه.
وردةٌ فوق الركام
ولا يمكن لنا في هذا الموسم الدرامي الرمضاني أن نتجاهل لوكيشنات التصوير وديكورات مسلسل “مطبخ المدينة” (تأليف علي وجيه بمشاركة سيف رضا حامد، وإخراج رشا شربتجي)، حيث مثلاً مدينة الملاهي/ مكان عيش الشحادين تشبه زهرةً نبتت بين أكوامٍ من الخراب! ولا يمكن ألّا نحبّ تلك الزخارف الخشبية الملونة والزجاج المعشّق في صالات المطبخ.. كأننا ندخل للحظة في بلاد العجائب أو نغامر مع السندباد في حكاياته وأحداثه العجائبية.
لذلك تحدثنا مع المخرجة الفنية ومصممة الديكورات الداخلية في “مطبخ المدينة” الفنانة عبير جمال حول أنَّ مَشاهدَ مدينة الملاهي التي يعيش فيها الشحادون تبدو لشدة جمالها وألوانها اللامعة كأنها جزء خيالي بعيدٌ عن واقع محيط مدمر بالكامل، وسألناها: هل هذا جزء من رؤية إخراجية مقصودة ومتفق عليها معك أم اقتراحات منك؟ لماذا بدت بهذا الشكل؟
فقالت لصحيفة “الحرية”: إن التوجه كان مشتركاً بين الإخراج والديكور لأن مدينة الملاهي الجميلة (سابقاً) تمثل أحلام الطفولة ومكاناً للفرح تحول إلى مكان للاستعباد والاستغلال والقسوة؛ إذاَ كان الأمر مقصوداً من قبلنا أن نعملً هذا (التضاد/contrast ) بين جمال الألوان وبهجتها، والطفولة التي تعيش حالة الظلم تلك.. مع الملاحظة أن المكان بكامله كان في حالة متهالكة ومدمرة بسبب الحرب، لكن ولأنه كان “سيركاً” بالتالي من الطبيعي أيضاَ أن نرى كل تلك الألوان البراقة فيه.
نسألها: ألا تخافون أن تعطي المبالغة في “البهرجة اللونية” في كثير من أجزاء الديكور انطباعاً معاكساً للمقصود منها؟ كأن يشعر المُشاهِدُ بأنها نوع من “فانتازيا” زائدة عن اللزوم؟
توضح لنا الفنانة جمال؛ والتي اشتغلت باحترافية عالية في مسلسلات مثل: خمسة ونص، شتي يا بيروت، لا حكم عليه، طريق، ما فيي، ونسمات أيلول، وتقول: “بخصوص الجو العام للمطعم والبيت، فهو ليس بعيداً عن طابع الهندسة المعمارية الغنية بالزخرفة المدروسة والمستوحاة من الثقافة الإيطالية والفرنسية والتي ظهرت ملامحها في كثير من البيوت الدمشقية، وتأثرت مجتمعاتنا بها يوماً ما.
أما غرفة رضا وبيت مايا مثلاً فهذه البيوت تشبه أصحابها (شخصيات العمل) لأنهما فنانان بطبعهما ومتأثران بأجواء الثقافة الغربية ( stand up comedy).
وتضيف كيف أن المصممين الفنيين يتقصدون عبر بعض اللمسات الفنية والصور المعلقة على جدران المكان أن يعطوا رمزيةً ما أو وجهة نظر محددة “لنوصلَ للمُشاهِدِ إحساساً خاصاً أو لنجعله يتمكن من خلال تلك الصور أن يربط حدثاً محدداً بخلفية ما أو لنوضّحَ أبعادَ الشخصيةِ صاحبة هذا المكان/ الغرفة/ البيت/ الكافيه.. لذلك كانت كل غرفة في “مطبخ المدينة” تشبه صاحبها.
فريق عمل منسجم
تلك الديكورات ومنمنمات السينوغرافيا وكل ما يوضع وتتم هندسته في مواقع التصوير يحتاج إلى فريق عمل ضخم منسجم ومحب لهذه “المهنة/ الحرفة”..
هكذا يحدثنا الأستاذ غيث المحمود (المخرج الفني ومشرف فريق العمل المسؤول عن تنفيذ تصاميم “مطبخ المدينة”) عن علاقته بطلابه/ فريق عمله، وعن أهمية الانسجام الفكري والنفسي ضمن أجواء مواقع التصوير، يقول: كنت حريصاً منذ تدريسي في المعهد العالي للفنون المسرحية أن أوسِّع تجاربَ ومشاريع الطلاب حسب الأنواع المسرحية والسينمائية المتعددة.. لذلك فإن الذاكرة البصرية عند طلابي كانت أقرب إلى السينما منه إلى المسرح لأن إنتاجات الأعمال المسرحية أقل بكثير.. رغم كل محاولاتنا أن نَدخلَ من حقل السينما نحو فضاء المسرح ومستوياته، مع كل إشاراتي إلى التقاطعات والمقاربات بينهما من حيث السينوغرافيا، وكان أهم شيء بالنسبة لي هو تعليمهم كيفية قراءة روح النصوص التي بين أيديهم لفهم طبيعة وتشكيل الجو العام السينوغرافي للموضوع المطروح ضمن النص. طبعاً مع الانتباه لطبيعة المشاعر والأفكار الإنسانية المشحونة ضمنه بما يمكننا من ترجمة ذلك كأبعاد وتصاميم لونية خاصة بشخوص حكاية النص الذي أمامنا. لنستخرج كل ما يقارب تلك الشخصيات لونياً.
واقعٌ لا يرحم
المحمود، وهو مخرج فيلم (A stop motion)الحائز جائزة أفضل فيلم انميشن قصير في مهرجانOrlando Urban USA 2016
كنتاج ورشة عمل مع طلابه في المعهد العالي للفنون المسرحية/ قسم السينوغرافيا، يوضح لنا أن تجربته العملية مع الطلاب مختلفة عن ظروف العمل مع شركات الانتاج واقعياً بما تحمله من صعوبات على الأرض في بيئة لا ترحم “لأننا هنا نحرص على أفضل وأسرع وقت لتنفيذ كل ما تتطلبه لوكيشنات التصوير بعلاقتها المتشابكة مع عدسات الكاميرات ونوعيتها والحساسيات اللونية مع نوعية المعادن المستخدمة.. إلخ إذاً هنا؛ نحن دائماً أمام تحدٍّ للطلاب؛ ليس كتلاميذ ينفِّذون مشاريع وماكيتات درسية ضمن جو المعهد، إنما بكل جهد ممكن كـ”محترِفي تنفيذ” لكنهم محميون بوجودي كمشرف وضامنٍ لهم ولحقوقهم المعنوية وحقوقهم المالية المهمة جداً في مسيرتهم الاحترافية، وقد أصبحوا محبوبين وجاهزين ومطلوبين لسوق العمل الدرامي.. وهذا كله يفرحني ويشعرني بالفخر تجاههم.


