الحرية – مايا حرفوش:
في ظل التحديات البيئية المتسارعة التي يشهدها العالم في العصر الحديث، برزت التغيرات المناخية كواحدة من أخطر القضايا التي تهدد استقرار الأنظمة الطبيعية والاقتصادية على حد سواء، فلم تعد هذه الظاهرة مجرد تحولات طبيعية في المناخ، بل أصبحت نتيجة مباشرة لتزايد الأنشطة البشرية، ما أدى إلى تفاقم آثارها بشكل ملحوظ. ومع ارتباط الزراعة ارتباطاً وثيقاً بالظروف المناخية، بات هذا القطاع من أكثر القطاعات عرضة للتأثر، الأمر الذي ينعكس بدوره على الأمن الغذائي العالمي ويضعه أمام تحديات غير مسبوقة تتطلب حلولاً عاجلة ومستدامة.
الخبير الاقتصادي فاخر قربي أكد بحديثه لـ “الحرية” أن التغيرات المناخية تمثل تحولات طويلة الأمد في الأنماط المناخية، وهي ظاهرة طبيعية في أصلها، إلا أن الأنشطة البشرية، وخاصة انبعاثات الكربون، أسهمت في تفاقمها بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. وتنتج هذه الانبعاثات بشكل رئيسي عن حرق الوقود الأحفوري، وإزالة الغابات، إضافة إلى الأنشطة الصناعية والزراعية، ما يؤدي إلى تراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي.
ويُعدّ ارتفاع درجات الحرارة العالمية من أبرز النتائج المباشرة لهذه الظاهرة، حيث تشير الدراسات إلى أن متوسط درجة حرارة الأرض قد ارتفع بنحو 1.2 درجة مئوية منذ العصر الصناعي. وقد أدى هذا الارتفاع إلى اضطرابات واضحة في أنماط الطقس، تمثلت في تراجع انتظام الأمطار وزيادة تكرار وشدة الظواهر المناخية المتطرفة مثل العواصف والجفاف والفيضانات.
وأضاف قربي: تؤكد الأدلة العلمية، من خلال القياسات الجوية وتحليل الجليد والنماذج المناخية، حقيقة التغير المناخي وخطورته المتزايدة، كما تشير تقارير الهيئات الدولية، بما فيها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، إلى أن هذه التغيرات لا تقتصر على التأثير البيئي، بل تمتد لتشمل تهديد الأمن الغذائي وزيادة هشاشة الأنظمة البيئية.
ونظراً لاعتماد الإنتاج الزراعي بشكل مباشر على الظروف المناخية، فإن هذا القطاع يُعدّ من أكثر القطاعات تأثراً بالتغيرات المناخية، حيث تفرض هذه التغيرات تحديات متزايدة تستوجب التكيف معها، وقد انعكست هذه التأثيرات بشكل واضح على الإنتاج الزراعي في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك سوريا، نتيجة التغيرات في أنماط الطقس وعدم استقرار المواسم الزراعية خلال العقود الأخيرة.
ووفق قربي فإن المحاصيل الزراعية، مثل القمح والأرز والمحاصيل النقدية كالقهوة، تتأثر بشكل كبير بهذه التغيرات، إذ يؤدي اضطراب مواسم الزراعة إلى تأخر الحصاد وانخفاض الإنتاج، كما يسهم نقص المياه في بعض المناطق في زيادة الضغط على الموارد المائية، ما يؤثر سلباً على كفاءة الإنتاج وجودته ويرفع من تكاليفه.
ولا تقتصر التأثيرات على المحاصيل فحسب، بل تشمل أيضاً زيادة انتشار الآفات والأمراض الزراعية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي يدفع المزارعين إلى الاعتماد بشكل أكبر على المبيدات الكيميائية، ما يفاقم التدهور البيئي ويرفع تكاليف الإنتاج. كما تنعكس هذه التحديات على الأسواق من خلال ارتفاع الأسعار نتيجة انخفاض العرض.
وفي مواجهة هذه التحديات، شدد قربي على أنه تبرز الحاجة إلى وضع استراتيجيات وطنية فعّالة للتكيف مع التغيرات المناخية، من خلال تبني ممارسات زراعية مستدامة، مثل الزراعة العضوية، وتحسين إدارة الموارد المائية، واعتماد تقنيات حديثة كالري بالتنقيط، إلى جانب تطوير بنى تحتية لتجميع المياه وتخزينها، كما يُعدّ تطوير أصناف زراعية مقاومة للجفاف والحرارة من الحلول الأساسية لتعزيز القدرة على التكيف، وهو ما يتطلب الاستثمار في البحث العلمي والابتكار الزراعي لإنتاج سلالات قادرة على تحمل الظروف المناخية القاسية، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعاون بين مختلف الأطراف المعنية، من مزارعين وحكومات وباحثين، لتحقيق استجابة فعالة لهذه التحديات. كما يُعدّ التعاون الدولي بين الدول المتقدمة والنامية أمراً ضرورياً، من خلال تبادل المعرفة ونقل التكنولوجيا وتقديم الدعم اللازم لتطوير الزراعة المستدامة.
وختم قربي حديثه بالتأكيد عللى أنه ورغم التحديات التي تواجه هذا التعاون، بما في ذلك الاختلافات الاقتصادية والسياسية وصعوبة توفير التمويل اللازم، فإن استمرار الحوار والتنسيق الدولي يُعدّ أمراً حيوياً لمواجهة التغيرات المناخية، وتحقيق تنمية زراعية مستدامة، وضمان الأمن الغذائي على المستوى العالمي.
التغير المناخي يهدد الزراعة ويضع الأمن الغذائي أمام تحديات متصاعدة
Leave a Comment
Leave a Comment