الحرية – مركزان الخليل:
لا يخفى على أحد ما يشكله قطاع الثروة الحيوانية من أهمية على صعيد الاقتصاد الوطني، فهو يشكل أحد الأعمدة الرئيسية للأمن الغذائي والاقتصادي، حيث يسهم بشكل حيوي في الإنتاج الزراعي، ويوفر فرص عمل عديدة في المناطق الريفية، ورغم الضغوط التي تعرض لها هذا القطاع نتيجة الأزمة السورية وما تلاها من تحديات كبيرة، وفق رأي الخبير الزراعي الدكتور” عبد الرحمن قرنفلة” فإنه ما زال يشهد استقراراً نسبياً في العديد من جوانب الإنتاج والصحة الحيوانية، لكن لا تزال هناك تحديات كبيرة تتطلب معالجتها من أجل النهوض بهذا القطاع الحيوي وضمان استدامته في المستقبل.
استقرار نسبي في قطاع الثروة الحيوانية
وهنا يؤكد” قرنفلة” أن قطاع الثروة الحيوانية في سوريا شهد استقراراً نسبياً خلال الفترة الأخيرة، خاصة في الجوانب الصحية والإنتاجية،
وذلك بفضل الجهود المستمرة في تعزيز الخدمات البيطرية وتحسين الإنتاج وبالتالي فإن الثروة الحيوانية كانت تشكل ما يقارب 33% من إجمالي الناتج الزراعي، مع احتساب مساهمات غير نقدية تشمل السماد العضوي وأعمال الري والزراعة، كما تلعب دوراً بيئياً مهماً في معالجة مخلفات المحاصيل الزراعية والصناعات الغذائية.
التحديات من نقص التمويل إلى التغيرات المناخية
ورغم التقدم النسبي في الوضع الصحي والإنتاجي، فإن قطاع الثروة الحيوانية في سوريا يواجه عدداً من التحديات التي تعوق تطويره ومن أبرز هذه التحديات وفق رأي الخبير “قرنفلة”:
الفجوة المعرفية: فالتربية التقليدية للحيوانات لا تزال سائدة، ما يقلل من الإنتاجية الاقتصادية، ويضيف إن التوجهات الحديثة نحو “الزراعة الحيوانية الذكية” لم تُعتمد على نطاق واسع في سوريا.
نقص التمويل والموارد: فالقطاع يعاني من نقص حاد في التمويل، ما يؤدي إلى ضعف القدرة على تأمين اللقاحات البيطرية الكافية والعلف المناسب بأسعار معقولة.
التغيرات المناخية والجفاف: تأثر القطاع بتدهور حالة المراعي نتيجة فترات الجفاف المتكررة، ما أدى إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية التي تُستخدم كعلف للحيوانات.
ارتفاع تكاليف الإنتاج: حيث تعد الزيادة الحادة في أسعار الأعلاف على المستوى العالمي من أبرز المشكلات التي تؤثر على القدرة الإنتاجية، ما يرفع تكاليف تربية الحيوانات بشكل كبير.
الابتكار في تربية الحيوانات
في إطار مواجهة هذه التحديات، يشير المهندس عبد الرحمن قرنفلة إلى أهمية تحديث أساليب التربية وتطبيق التقنيات الحديثة، من أبرز هذه المبادرات، برنامج الترقيم الوطني الذي يهدف إلى تنظيم وتتبع قطعان الحيوانات، وهو خطوة هامة نحو إدارة البيانات بدقة وفهم احتياجات القطيع بشكل أكثر علمية.
إلى جانب ضرورة إنشاء قناة تلفزيونية زراعية لتوجيه المربين وتدريبهم على الأساليب العلمية الحديثة في تربية الحيوان، وتعتبر هذه الخطوات حجر الزاوية لتحقيق تنمية مستدامة في القطاع الحيواني.
دور التصدير في دعم الاقتصاد
يعد التصدير أحد العوامل المهمة في دعم الاقتصاد السوري من خلال تصدير المنتجات الحيوانية للأسواق العالمية، ووفقاً للخبير قرنفلة، فإن تصدير الحيوانات الحية يعتبر مساهماً مهماً في تحفيز الإنتاج وتوفير العملة الصعبة، إلا أنه يحتاج إلى مراقبة دقيقة لضمان تأثيره الإيجابي على السوق المحلية.
نحو استراتيجية وطنية شاملة
ويرى “قرنفلة “ضرورة إعداد استراتيجية وطنية شاملة للثروة الحيوانية تشمل خططاً قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، هذه الاستراتيجية يجب أن تضمن إشراك المربين الفعليين في صياغتها وتنفيذها لضمان فاعليتها.
كما يُشدد على أهمية مراجعة التشريعات الناظمة للقطاع الحيواني، وتطوير طرق الإرشاد الزراعي مع إنشاء مدارس حقلية لتأهيل جيل من الشباب للعمل في هذا المجال الحيوي.
استقرار القطاع الصحي والإنتاجي
من جانبه، أكد الدكتور عبد الحي اليوسف، مدير الصحة والإنتاج الحيواني، أن القطاع الحيواني في سوريا يشهد حالياً استقراراً نسبياً، سواء من الناحية الصحية أو الإنتاجية أو التربوية، وأشار إلى أنه لم يتم تسجيل أي تفشيات وبائية لمرض حيواني كبير، الأمر الذي يساهم في تعزيز استقرار الوضع الصحي للقطعان.
وأوضح الدكتور اليوسف أن السبب الرئيسي لهذا الاستقرار هو الجهود المستمرة للحفاظ على الوضع الصحي للحيوانات من خلال تقديم خدمات بيطرية رغم الإمكانيات المحدودة، على الرغم من ذلك أشار إلى أن القطاع يعاني من نقص شديد في التمويل، وهو ما ينعكس على قدرة السلطات المختصة على توفير اللقاحات البيطرية بالكمية الكافية وتقديم الأعلاف بأسعار معقولة.
التحديات في الأعداد والموارد
وأضاف الدكتور اليوسف إن أبرز المشكلات التي يعاني منها القطاع هي ارتفاع تكاليف التربية بسبب قلة مساحات الرعي، بالإضافة إلى الارتفاع العالمي في أسعار الأعلاف، ما يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الإنتاج. كما لفت إلى أن فترات الجفاف في السنوات الأخيرة قد أدت إلى تراجع الإنتاج النباتي، ما أثّر على كمية الأعلاف المتوفرة.
ضرورة تضافر الجهود
في ختام تصريحاته، أكد الدكتور اليوسف أن قطاع الثروة الحيوانية بحاجة ماسة إلى تضافر الجهود من جميع الجهات المعنية، سواء كانت حكومية أو خاصة، لتجاوز هذه التحديات، كما أشار إلى أن قطاع الثروة الحيوانية يعد ركيزة أساسية للأمن الغذائي والاقتصادي في البلاد، ويجب العمل بشكل متكامل من أجل تعزيز هذا القطاع وتنميته.
في نهاية الحديث
يبقى قطاع الثروة الحيوانية في سوريا في صميم الاهتمامات الوطنية، مع ما يواجهه من تحديات جسيمة تتطلب حلولاً شاملة ومدروسة، على الرغم من الاستقرار النسبي الذي شهدته بعض جوانب القطاع، إلا أن الجهود المبذولة لتطويره تظل غير كافية، ويحتاج القطاع إلى استثمارات وإصلاحات من جميع الجهات المعنية لضمان تحقيق تنمية مستدامة تدعم الأمن الغذائي والاقتصادي في سوريا على المدى الطويل.