الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران: تهديد متصاعد للبيئة ومصادر المياه في الشرق الأوسط

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ سامر اللمع:

لا تقتصر آثار الحروب الحديثة على الخسائر البشرية والاقتصادية، بل تمتد إلى البيئة والموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات. وفي سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، حذّرت الأمم المتحدة من تداعيات بيئية خطيرة قد تضرب منطقة الشرق الأوسط بأكملها. فقد صرّح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك بأن الهجمات على منشآت النفط ومحطات تحلية المياه قد تؤدي إلى “عواقب بيئية خطيرة” تمس جودة الهواء وإمدادات مياه الشرب في المنطقة.

هذه التحذيرات تعكس المخاطر المتزايدة التي قد تهدد البيئة الإقليمية في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة من حيث الموارد المائية.

أولاً: تلوث الهواء نتيجة استهداف البنية النفطية

تشكل منشآت النفط والغاز أهدافاً استراتيجية في الحرب، لكن استهدافها يخلّف آثاراً بيئية واسعة. فقد أدت الضربات على مستودعات النفط الإيرانية إلى حرائق ضخمة استمرت أياماً، ما أدى إلى إطلاق كميات كبيرة من   السخام والغازات الكبريتية والمعادن الثقيلة في الغلاف الجوي.

ووفق تقارير علمية، يمكن أن يؤدي احتراق النفط إلى تشكل ما يُعرف بـ”الأمطار السوداء”، وهي أمطار محمّلة بالمواد السامة التي قد تلوث التربة والمياه وتؤدي إلى أضرار صحية طويلة المدى مثل أمراض الجهاز التنفسي وزيادة خطر السرطان.

وتشير تجارب سابقة في المنطقة إلى حجم المخاطر المحتملة؛ فخلال حرب الخليج عام 1991 تسرب نحو 3.5 ملايين طن من النفط إلى البيئة، واشتعلت حرائق ضخمة أطلقت ملايين البراميل من النفط في الصحراء، مخلّفة تلوثاً استمر سنوات طويلة.

ثانياً: تهديد مصادر المياه في منطقة تعاني أصلاً من الشح

تُعد المياه أحد أكثر الموارد حساسية في الشرق الأوسط، إذ تعد المنطقة من أكثر مناطق العالم جفافاً. وقد أدى توسع العمليات العسكرية إلى استهداف أو تضرر منشآت تحلية المياه، وهي المصدر الأساسي لمياه الشرب في العديد من دول الخليج.

وتنتج أكثر من 400 محطة تحلية في المنطقة نحو 40٪ من مياه التحلية في العالم، ما يجعلها بنية تحتية حيوية لأي دولة خليجية.

غير أن هذه المنشآت أصبحت أهدافاً محتملة في الحرب؛ فقد تعرضت محطة تحلية في البحرين لأضرار نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية، في حين تضررت منشآت أخرى في الكويت والإمارات بفعل شظايا صواريخ.

ويحذر خبراء من أن تعطّل محطة تحلية واحدة في دولة صغيرة قد يؤدي إلى نقص حاد في مياه الشرب خلال أيام قليلة فقط، ما يهدد حياة ملايين السكان.

ثالثاً: تلوث التربة والمياه الجوفية

إلى جانب التلوث الجوي، يبرز خطر تلوث التربة والمياه الجوفية نتيجة القصف العسكري. فالضربات التي تستهدف المنشآت الصناعية أو النفطية قد تطلق مواد كيميائية خطرة تتسرب إلى التربة والأنهار والمياه الجوفية.

ويحذر خبراء البيئة من أن مثل هذا التلوث قد ينتشر عبر الأنظمة المائية ويجعل مصادر المياه غير صالحة للشرب لفترات طويلة، خاصة في منطقة تعاني أساساً من نقص المياه.

كما أن استهداف مواقع صناعية أو طاقة يمكن أن يؤدي إلى تسرب مواد ملوثة تؤثر في النظم البيئية والموائل الطبيعية، وهو ما قد يخلّف أضراراً تستمر لعقود بعد انتهاء الحرب.

رابعاً: المخاطر على البيئة البحرية في الخليج العربي

يشكل الخليج العربي أحد أكثر المناطق عرضة للتلوث في حال توسع الحرب. فالمنطقة تضم عدداً كبيراً من الموانئ النفطية والمنشآت الصناعية.

وتشير تقارير حديثة إلى أن الصراع الحالي أدى إلى تعطّل منشآت طاقة وموانئ في عدة دول خليجية، ما يرفع احتمالات حدوث تسربات نفطية أو تلوث بحري واسع.

كما أن أي تسرب نفطي كبير قد يهدد الحياة البحرية، ويؤثر في الثروة السمكية والنظم البيئية الساحلية، إضافة إلى تعطيل قطاع الصيد والسياحة البحرية.

خامساً: تداعيات بيئية طويلة الأمد

تظهر التجارب التاريخية أن الأضرار البيئية للحروب غالباً ما تستمر لعقود. فحتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، تبقى آثار التلوث في التربة والمياه والهواء لفترات طويلة، ما يعرقل جهود التنمية ويزيد التكاليف الصحية والاقتصادية.

وتشير دراسات بيئية إلى أن استهداف منشآت الطاقة أو البنية الصناعية يمكن أن يترك آثاراً بيئية قد تستمر لعقود من الزمن، خاصة إذا لم تُعالج بسرعة.

في المحصلة، تؤكد التحذيرات الدولية، أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران لا تهدد الاستقرار السياسي فقط، بل تحمل أيضاً مخاطر بيئية جسيمة قد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.

فاستهداف منشآت النفط ومحطات تحلية المياه والبنية الصناعية قد يؤدي إلى تلوث الهواء والمياه والتربة، ويعرض واحدة من أكثر مناطق العالم ندرة في الموارد المائية لأزمة بيئية غير مسبوقة.

وفي ظل هذه المخاطر، تبرز الحاجة الملحّة إلى تجنب التصعيد العسكري والعمل على حماية الموارد الطبيعية الحيوية في الشرق الأوسط، لأن البيئة غالباً ما تكون الضحية الصامتة في الحروب.

Leave a Comment
آخر الأخبار