الحوالات وسعر الصرف.. مفاتيح الاستقرار الاقتصادي في سوريا

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبوتك:

يشهد الاقتصاد السوري مرحلة انتقالية دقيقة تتقاطع فيها تحديات إعادة الإعمار مع محاولات إعادة التوازن إلى السوق، في ظل واقع اقتصادي متغير يتسم بضعف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، تبرز الحوالات الخارجية وسعر الصرف كعنصرين رئيسيين في تشكيل ملامح الاستقرار النقدي وحركة السوق خلال المرحلة الحالية.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي يوضح في حديثه لـ”الحرية” أن إدارة هذه المرحلة تتطلب مقاربة اقتصادية مرنة، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الاقتصاد السوري، وتعمل على تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار النقدي وحاجات السوق الفعلية.

تنظيم السوق والتجارة الخارجية

خلال الفترة الماضية، اتجهت السياسات الاقتصادية نحو مجموعة من الإجراءات المتعلقة بتنظيم الاستيراد والتصدير، بهدف حماية الإنتاج المحلي وضبط حركة الأسواق، وتأتي هذه الإجراءات في إطار سعي أوسع لتحقيق التوازن بين توافر السلع الأساسية واستقرار الأسعار.
ويرى قوشجي أن مثل هذه السياسات تحمل أهمية في سياق حماية السوق، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى مراجعة دورية لضمان عدم انعكاسها على توفر السلع أو تنوعها. فالسوق، بحسب تعبيره، يحتاج إلى درجة من الانفتاح المدروس الذي يتيح المنافسة ويحد من أي اختناقات في العرض.
ويشير إلى أن التجارب الاقتصادية تشير إلى أن التوازن بين التنظيم والانفتاح هو العامل الأكثر تأثيراً في استقرار الأسواق، خاصة في الاقتصادات التي تمر بمرحلة إعادة هيكلة.

مؤشر حساس للاقتصاد

يُعد سعر الصرف في سوريا من أكثر المؤشرات الاقتصادية حساسية، نظراً لتأثيره المباشر على أسعار السلع والخدمات وعلى القوة الشرائية للمواطنين، ومع التغيرات التي شهدتها السوق خلال الفترة الماضية، عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش الاقتصادي بوصفه أحد أهم محددات الاستقرار النقدي.
ويؤكد قوشجي أن إدارة سعر الصرف تحتاج إلى سياسات متوازنة تتفاعل مع الواقع الفعلي للسوق، وليس فقط مع الأدوات الإدارية، فكل فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق قد تؤدي إلى تشوهات إضافية في حركة الطلب والعرض.
ويضيف: إن الاستقرار النسبي في سعر الصرف لا يتحقق فقط عبر الإجراءات النقدية، بل يرتبط أيضاً بقدرة الاقتصاد على توليد القطع الأجنبي من خلال الإنتاج والصادرات.

شريان نقدي أساسي

تشكل الحوالات الخارجية أحد أهم مصادر القطع الأجنبي في سوريا، في ظل محدودية الصادرات وتراجع العديد من القطاعات الإنتاجية،ولذلك فإن دورها يتجاوز البعد الفردي ليصبح عنصراً رئيسياً في دعم الاستقرار النقدي.
ويشير قوشجي إلى أن أي سياسة تتعلق بالحوالات يجب أن تأخذ في الاعتبار حساسية هذا المورد، وأهمية الحفاظ على تدفقه عبر القنوات الرسمية، لما لذلك من أثر مباشر في تعزيز المعروض من العملات الأجنبية.
كما يوضح أن بيئة الثقة تلعب دوراً محورياً في هذا السياق، إذ إن استقرار السياسات وسهولة الإجراءات يشكلان عامل جذب أساسي للحوالات الخارجية، بينما تؤدي القيود غير المرنة إلى انتقال جزء من هذه التدفقات نحو قنوات غير رسمية.

تأثير السياسات النقدية على السوق

يرتبط أداء سوق الصرف في سوريا بشكل وثيق بالسياسات النقدية المعتمدة، خاصة في ما يتعلق بالحوالات وسعر الصرف.
وفي هذا الإطار، يشير قوشجي إلى أن التحدي الأساسي يكمن في إيجاد توازن بين ضبط السوق ومنع المضاربات، وبين الحفاظ على تدفق العملات الأجنبية.
ويؤكد أن الاقتصادات في مراحل التحول تحتاج إلى سياسات نقدية مرنة، قادرة على التكيف مع التغيرات السريعة، دون خلق فجوات إضافية في السوق.

نحو مقاربة اقتصادية تدريجية

تُظهر التجارب الدولية أن الاقتصادات التي مرت بظروف مشابهة اعتمدت على نهج تدريجي في الإصلاح الاقتصادي، يقوم على تعزيز المؤسسات، وتطوير السياسات النقدية، وتوسيع قاعدة الإنتاج ، وفي الحالة السورية، يرى قوشجي أن تعزيز الاستقرار يتطلب العمل على عدة مسارات متوازية، أبرزها تحسين بيئة الأعمال، وتحديث التشريعات الاقتصادية، ودعم القطاعات الإنتاجية، إلى جانب تطوير أدوات إدارة سعر الصرف.
مشيراً إلى أن نجاح أي سياسة اقتصادية مرتبط بقدرتها على بناء الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو قطاعاً خاصاً.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار