الخانات الأثرية في بانياس تعكس طبيعة العمارة البسيطة في المدن الصغيرة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- ثناء عليان:

شهدت مدينة بانياس ازدهاراً تجارياً ملحوظاً بعد انتقال مركز قضاء المرقب إليها عام 1870م، ما أدى إلى إنشاء خانين بارزين: الأول لعائلة أديب من جبلة في الطرف الشمالي من البلدة القديمة قرب نهر الجعم، ويعرف اليوم محلياً باسم خان بيت جبور، والثاني لعائلة ياسين في الجهة الجنوبية من البلدة القديمة ضمن حارة الثرايا، وكانت العائلتان من أبرز العائلات التجارية في المدينة، وارتبط نشاطهما بتجارة الحرير وصناعته التي اشتهرت بها بانياس.

استراحة للمسافرين

عن هذه الخانات حدثنا رئيس دائرة آثار طرطوس المهندس مروان حسن، موضحاً أن الخانات هي أبنية شيَّدت لأغراض تجارية ولخدمة القوافل والمسافرين من تجار وحجاج، كانت تقام إما داخل المدن أو على أطرافها، وقد عُرفت باسم “الفنادق”، وهي تسمية ذات أصل لاتيني يُرجَّح أنها انتقلت إلى المنطقة عبر الفرنجة خلال الحروب الصليبية، وتعني كلمة “خان” البيت أو القصر.
وتنقسم الخانات عموماً إلى نوعين رئيسيين –حسب حسن – خانات عامة: وتستخدم كنزل أو أماكن استراحة مؤقتة للمسافرين، وخانات خاصة: وتُستعمل غالباً كمستودعات تجارية تمتلكها العائلات الثرية العاملة في التجارة، وتقع إما تحت مساكنها أو ضمن الأسواق التجارية.
إلا أنه في مدينة صغيرة مثل بانياس غالباً ما اختلطت الوظيفتان؛ إذ استُخدمت الخانات كمستودعات لأصحابها، وفي الوقت نفسه كمكان لإيواء المسافرين وربط الدواب القادمة من القرى المحيطة.

محطة على الطريق الساحلي

وعن خان بانياس (خان بيت جبور) أكد حسن أنه لا توجد وثيقة تحدد تاريخ بناء الخان بدقة، غير أن أغلب مباني المدينة شُيّدت بعد انتقال المركز الإداري لقضاء المرقب إليها عام 1870م، ومن المرجح أن الخان يعود إلى هذه الفترة، حيث كان يشكل محطة على الطريق الساحلي ومركزاً للنشاط التجاري. وكانت ساحته الداخلية تُستخدم لربط الخيول، بينما توزعت غرفه بين مستودعات وأماكن للإقامة في الطابق الأول.
وتشير إحدى الوثائق في السجلات العقارية لعام 1935م إلى أن الخان استُخدم مستودعاً تابعاً لشركة تبغ اللاذقية، ما يؤكد وظيفته التجارية. كما سكنه لاحقاً بعض الأرمن الذين استخدموا فراغاته للسكن والعمل الحرفي في الوقت ذاته.

عمارة الفقراء

ولفت حسن إلى أن عمارة الخان تعكس طبيعة العمارة البسيطة في المدن الصغيرة، أو ما يعرف بعمارة “الفقراء”، حيث تقتصر الزخارف المعمارية على منازل الأعيان مثل بيت ياسين، بينما تتسم الأبنية التجارية ومساكن العامة بالبساطة في المواد والإنشاء، مع إمكانية التوسع التدريجي بحسب الإمكانات المادية للمالك.
وبيّن رئيس دائرة آثار طرطوس أن الخان شُيّد من الحجر الرملي المشذب ويتألف من طابقين، يضم الطابق الأرضي مدخلاً (خوخة) في الجهة الغربية يفتح على فراغين جانبيين وساحة مكشوفة كانت تستخدم لربط الدواب، وتتصل برواق في الجهة الشرقية وغرفة مجاورة له، إضافة إلى محل تجاري يفتح على الشارع. أما الطابق الأول فيتألف من أربع غرف تقع فوق المدخل في الجهة الغربية من البناء.

الأهمية التجارية والاقتصادية

تعرض المبنى –يضيف حسن- لعدة تعديلات خلال ثلاثينيات القرن العشرين، كما شهد بعد عام 1947 تدهوراً إنشائياً أدى إلى استبدال الأسقف الخشبية الأصلية بأسقف بيتونية، وانهيار سقف القرميد في الواجهة الغربية، إضافة إلى فتح نوافذ في الجهة الشرقية وإضافة غرفة في الطابق الأول.
ويذكر حسن: إن وجود خانين في مدينة بانياس يعكس أهميتها التجارية والاقتصادية خلال العهد العثماني المتأخر، الأمر الذي يبرز أهمية التفكير في إعادة تأهيل النسيج التاريخي للمدينة، ولا سيما موقع خان اللولو، ليكون سوقاً تراثياً يضم وظائف اقتصادية وسياحية متعددة، مع الاستفادة من الدراسات الأكاديمية المتخصصة، ولا سيما دراسة المهندسة المعمارية مي زغبي لنيل درجة ماجستير التأهيل والتخصص في ترميم المباني التاريخية وإعادة تأهيل المواقع الأثرية والطبيعية حول حالة خان بانياس (بيت جبور).

Leave a Comment
آخر الأخبار