الحرية- هناء غانم:
في ظل التسارع الرقمي غير المسبوق، بات الذكاء الاصطناعي أحد أهم العوامل المؤثرة في بنية الاقتصاد العالمي وصناعة القرار.
ومع توسّع مراكز البيانات الضخمة، يبرز تحول جذري في المفاهيم والنماذج الاقتصادية التقليدية.
الخبير والمستشار الاقتصادي الدكتور عامر خربوطلي أكد لـ”للحرية” أن الموجة الجديدة التي تقودها مراكز البيانات الضخمة الداعمة للذكاء الاصطناعي تمثل تحولاً جذرياً في الفكر والنموذج الاقتصادي المعاصر، موضحاً أن ما نشهده اليوم لا يقتصر على تطور تقني، بل يشكّل ثورة عميقة في آليات اتخاذ القرار الاقتصادي على المستويين الجزئي والكلي.

وأوضح خربوطلي أن الذكاء الاصطناعي أعاد النظر في العديد من المفاهيم الاقتصادية التقليدية، مشيراً إلى أن قدرته الهائلة على تحليل البيانات الضخمة بسرعة ودقة تفوق الإمكانات البشرية جعلته أداة مركزية في صياغة السياسات واتخاذ القرارات الاستراتيجية.
وأضاف إن الاقتصاد بات في “عين العاصفة” الرقمية، وأن ما قبل الذكاء الاصطناعي لن يكون كما بعده، ولا سيما في المجال الاقتصادي.
وعلى مستوى الاقتصاد الجزئي وأعمال الشركات، بيّن أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية مساندة، بل أصبح محركاً فعلياً للنمو والتجديد، حيث تمكّن تطبيقاته الشركات من أتمتة العمليات الروتينية، وتحسين سلاسل التوريد، والتنبؤ بالصيانة، ما يحقق إنتاجية أعلى بتكاليف أقل، وهو جوهر العملية الاقتصادية الحديثة.
وأضاف إن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحسين الكفاءة، بل يسهم في خلق أسواق ومنتجات جديدة، لافتاً إلى أن الطلب المتزايد على الطاقة لتشغيل مراكز البيانات يفتح آفاقاً واسعة أمام شركات الطاقة والمولدات، إلى جانب تنامي شركات البرمجيات المطورة لأدوات الذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة مثل السيارات ذاتية القيادة، ما يؤسس لبنية اقتصادية جديدة تتوسع بوتيرة متسارعة.
وأشار إلى أن هذه التقنيات تمنح مديري الشركات قدرة غير مسبوقة على تحليل كميات ضخمة من البيانات واستخلاص رؤى استراتيجية دقيقة حول الأسواق والعملاء واتجاهات الطلب المستقبلية، من خلال النمذجة والمحاكاة الذكية، بما يؤدي إلى قرارات اقتصادية وإدارية أكثر فاعلية ونجاحاً.
وعلى صعيد الاقتصاد الكلي، أكد خربوطلي أن التأثير أكثر عمقاً ووضوحاً، لا سيما فيما يتعلق بنمو الناتج المحلي الإجمالي، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي بحلول نهاية العقد الحالي، عبر رفع الكفاءة الإنتاجية والتشغيلية والتمويلية. واعتبر أن هذا التحول يمكن مقارنته تاريخياً بإدخال الكهرباء أو الإنترنت كمحركات نمو كبرى.
وفي السياق السوري، شدد على أن الاقتصاد الوطني بحاجة ماسة إلى تسريع النمو وتعويض سنوات التراجع التي تجاوزت 80% مقارنة بما قبل عام 2011، مؤكداً أن “سوريا الجديدة المتجددة لن تنهض بالشكل المطلوب دون إدماج برامج وأدوات الذكاء الاصطناعي في التحليل والدراسة والتقييم واتخاذ القرار، سواء على مستوى الشركات أو على مستوى الاقتصاد الكلي”، لافتاً إلى أهمية الدمج بين التقانة والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال لتحقيق أعلى كفاءة ممكنة في استخدام الموارد المتاحة.
وختم الدكتور خربوطلي بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل قوة اقتصادية هائلة ذات وجهين: أحدهما يعد بازدهار وكفاءة غير مسبوقين، والآخر يفرض تحديات تتعلق بإعادة هيكلة سوق العمل واتساع فجوة عدم المساواة.
وأكد أن الفارق الحقيقي بين الدول المتقدمة وتلك الساعية للنمو يكمن في سرعة الاندماج في الاقتصاد الذكي، لا في الاكتفاء بأساليب النمو التقليدية المعتمدة على تراكم رأس المال وحده.