الذهب في مواجهة النظام النقدي: ولادة فجر جديد للقيمة أم طفرة سعرية توشك على الانحسار؟

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية- لوريس عمران:
يقف المعدن النفيس اليوم عند نقطة انعطاف تاريخية تجاوزت حدود التذبذب السعري المعتاد، لتصبح قفزاته المتتالية بمثابة استفتاء علني على مستقبل النظام المالي العالمي، وفي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الأزمات الدولية وتتداعى فيه المسلمات الاقتصادية التي سادت لعقود، يعيد الذهب صياغة حضوره كلاعب استراتيجي يتجاوز كونه مجرد أصل استثماري، وسط انقسام حاد في أروقة المال، فبينما يرى البعض في هذه المستويات العالية تعبيراً عن “الوضع الطبيعي الجديد” وإعادة تسعير منطقية، يخشى آخرون من كونها طفرة سعرية عابرة قد تتبعها تصحيحات قاسية.

ابتزاز الثقة في النظام النقدي

وفي هذا السياق تبرز رؤية الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عيسى خليلو، الذي يرى أن ما يحدث يتجاوز كونه موجة مضاربة، ليصبح انعكاساً لتحولات بنيوية عميقة تضرب جذور الاقتصاد العالمي.
وأكد الدكتور خليلو من خلال تصريحه لـ”الحرية ” أن الارتفاع الراهن ليس إلا مرآة لاهتزاز الثقة في النظام النقدي القائم، وتراجع الجاذبية التقليدية للدولار كعملة احتياط عالمية وحيدة، مضيفاً أن هذا التحليل يربط بين القفزات السعرية وبين الاختلالات الهيكلية في الاقتصادات الكبرى، والتي تتجلى في تضخم الديون العامة واستعصاء التضخم على الحلول النقدية التقليدية، معتبراً أن الذهب تاريخياً لا يسلك هذا المسار التصاعدي الحاد إلا حينما تفقد السياسات المالية قدرتها على ضمان الاستقرار.
وفي تفنيده لفرضية “النمو السعري المصطنع” أوضح الدكتور خليلو أن هذا التوصيف يفتقر للدقة ما لم يربط بطبيعة الطلب، فبينما تتسم الارتفاعات غير المستدامة عادة بطلب وهمي قصير الأجل، يستند الذهب اليوم إلى طلب سيادي ومؤسسي طويل الأمد تقوده البنوك المركزية، لا سيما في الدول الصاعدة.
لافتاً إلى أن التوجه نحو إعادة هيكلة الاحتياطيات بعيداً عن الهيمنة النقدية للقوى الكبرى يمنح الارتفاع الحالي ثقلاً استراتيجياً يحميه من الانهيارات المفاجئة التي تميز الطفرات السعرية الهشة في أسواق الأسهم أو العقارات.
ويرى الخبير خليلو أن استمرارية الصعود تستمد زخمها من تحول الذهب إلى أداة تحوط سياسي في ظل عالمي يتجه نحو الاستقطاب الحاد واستخدام العقوبات الاقتصادية كسلاح، بالتوازي مع التوجهات النقدية نحو خفض أسعار الفائدة التي تضعف بديل الذهب المتمثل في السندات. بالإضافة إلى أن تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية يلعب دوراً محورياً في تعزيز مكانة الذهب كخط دفاع أخير لحفظ القيمة وليس مجرد أصل استثمار يلاحق المكاسب السريعة.

إعادة موازنة السوق

وبالرغم من التفاؤل بمستقبل المعدن، لا ينفي الدكتور خليلو احتمالية حدوث تصحيحات سعرية حادة أو تراجعات مرحلية قد تبدو عنيفة، إلا أنه يضعها في إطار إعادة موازنة السوق ضمن مسار صعودي طويل الأمد، وليس كدليل على زيف القيمة السوقية ، محذراً من أن الرهان على الانهيار الوشيك في الأسعار يعد رهاناً غير واقعي ما لم تتغير المعطيات العالمية جذرياً.
وفي ختام حديثه أشار الدكتور خليلو إلى أن الذهب في المرحلة الراهنة لا يمثل مخاطرة سعرية مجردة بقدر ما هو مرآة لأزمة النظام الاقتصادي العالمي، حيث يظل الملاذ الذي تلجأ إليه الاقتصادات الهشة والدول التي تعاني من وهن العملات، في محاولة للتمسك بآخر خطوط الدفاع عن القيمة في عالم بات يفتقر إلى الاستقرار والقدرة على التنبؤ.

Leave a Comment
آخر الأخبار