الراتب والغلاء.. معادلة متنافرة 

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية-عمران محفوض :

تستطيع الحكومة زيادة الرواتب والأجور كل سنة مرة أو أكثر؛ لكنها لم تتمكن طوال سنوات من خفض أسعار المواد والسلع أو ضبط فلتان الأسواق وفق إيقاع الدخل والمصروف الذي أصبح هاجس معظم المواطنين.

لاشك أن زيادة الرواتب والأجور للعاملين في القطاعين العام والمشترك تأخرت قليلاً بعد سلسلة وعود حكومية، مع ذلك تابع الموظفون على درب الأمل متمسكين بمقولة “الموعود غير المحروم”، خاصة أن الحكومة الحالية سبق أن وعدت بزيادة الراتب ووفت؛ إلا أن المفاجأة بالنسبة لجميع الموظفين هي تصريحات وزارة المالية بأنها رفعت الرواتب والأجور بنسبة 550% خلال العام الماضي والحالي، وكأنها تلمح إلى إغلاق ملف زيادات الرواتب .

الواقع المعيشي اليوم ليس كما كان عليه قبل سنة، وتالياً إن التصريحات المنقولة عن المالية لا تتوافق مع هذا الواقع، خاصة أن المعدلات العالمية لمستوى المعيشة لاتقاس بنسب زيادة الرواتب والأجور التراكمية – كل سنة مرة – وإنما بمقدار هذه الزيادات على سد الفجوة بين كتلة الراتب والأسعار، وتالياً تحقيق التوازن بين طرفي هذه المعادلة.. فهل الزيادة الأخيرة على الراتب كانت متوافقة مع هذا المنظور العالمي، وكافية لتلبية حاجات جميع الموظفين..؟.

إن التمييز بين الموظفين، وجعلهم فئتين: الأولى تستحق زيادات نوعية على الرواتب وربما تعويضات نوعية، والثانية مؤطرة بزيادة اعتيادية نسبتها 50% مع الحفاظ على مبالغ التعويضات دون تغيير، كأننا نقول: أن الموظفين هم على درجتين أو ربما درجات، بعضهم محط رعاية واهتمام مستمرين، وآخرون على الهامش تشملهم زيادة الراتب لأن الغلاء استفحل، ومستوى معيشة أسرهم وصل إلى مرحلة متقدمة من الحاجة والعوز.

لعل هذه المقاربة مقبولة من وجهة نظر المالية؛ لكنها من الناحية الاقتصادية والاجتماعية غير ذلك تماماً، خاصة إذا ماعلمنا أن الراتب الصافي – بعد زيادة ال50% – لا يكفي لانتشال أسرة من مستنقع الفقر الذي أصبح مطبقاً على الحالة المعيشية لعائلات جميع الموظفين دون استثناء؛ سواء كان الموظف من فئة الراتب النوعي أو العادي؛ فالغلاء هضم الرواتب منذ سنوات، والزيادات السابقة لم تلحق بخطوات الأسعار المتسارعة في مضمار الأسواق.

بالطبع لا نجهل ضعف الموارد المالية لخزينة الدولة، وأن زيادات الرواتب تصاغ وفق الإمكانيات المتوافرة، ورغم ذلك المطلوب وضع خطة حكومية متكاملة لإصلاح الرواتب والتعويضات، التي نأمل أن تكون وصفة شافية لأمراض الدخل المزمنة، وفي الوقت ذاته علاجية لأي خلل في معدل التضخم الذي أصبح يتغول – سعرياً وسلعياً – في الأسواق دون رحمة ولا رأفة بالحالة المعيشية الضعيفة للموظفين وسط تقليص مستمر لدائرة المصروف الشهري على حساب الحاجات الأساسية لأطفالهم، شرط أن تتضمن هذه الخطة آليات تنفيذية فاعلة للحد من تصرفات بعض التجار والصناعيين الذين يحاولون باستغلالهم وجشعهم إفشال أي خطة حكومية لزيادة الراتب، وتحسين مستوى معيشة الموظف، همهم الوحيد تكديس الأرباح، وتضخيم حجم امبراطورياتهم المالية على حساب المستهلك وخزينة الدولة دون تمييز، علماً أن معظم المنتجات والسلع المطروحة في المحلات والأسواق مبالغ بتسعيرها أضعافاً مضاعفة، وتالياً لا تستحق نصف الثمن الذي يدفعه المواطن لشرائها، ولذلك لابد من القول: إنه من دون ضبط حازم للأسعار والأسواق تبقى معادلة الراتب والغلاء في حالة تنافر دائمة.

Leave a Comment
آخر الأخبار