الحرية- ثناء عليان:
يقال: “إنَّ أرضية الكتابة مسكونة بالقلق، عكس القراءة”؛ ويقوم القارئ بإنتاج النص كلما قرأه؛ فعملية القراءة مشاركة يقدمها القارئ للمؤلف كي يُنتِجَا النص معاً.
هذا ما أكدته الشاعرة أحلام غانم في الندوة التي أقامها نادي “اقرأ” في اتحاد الكتاب العرب فرع طرطوس، حول كتاب “الرواية الحديثة دليل الكاتب ورفيق القارئ” الصادر عن دار موزاييك للدراسات والنشر– اسطنبول– تركيا، للدكتور حسام عتال، بحضور ثلة من الأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي.
دور المؤلف
وبينّت غانم أن الكاتب يُحمّل هذا العنوان مفاتيح الرواية الحديثة بقصدية السهل الممتنع، لكي يوضح دلالاته الإيحائية في التعبير النقدي عن دور المؤلف في جذب القراء إلى مؤلفاته، والتودد إليهم عبر تضمينها بوسائل منهجية ذات أثر معنوي على القارئ، يصل إلى درجة وسمه (دليل القارئ) بكل ما يحمله هذا الدليل من دلالات جمالية ونفسية تسهم في تقبل القارئ للكتاب.
ونوهت بأن د. عتال أقام عمارة مدهشة في نسقها وطرازها وتصميمها لتطور هذا المساق الجمالي للرواية الحديثة، باعتبارها الفن الأكثر تساوقاً وانسجاماً وتناغماً في السموّ بفنها إلى مصاف الرُّقي الحضاري، فالأقل فضولاً بين الكتّاب سينتابه الفضول لقراءة كتاب يحمل هذا الدليل.
وترى غانم أن الكتابةُ تُشكّل هديةً عاطفيةً وثيقة الصلة بالقلب، إذ تحول الكلمات إلى ذكرى دائمة تربط الناس ببعضهم. من خلال الكتابة، وتُشكّل النبرةُ العفويةُ الصادقةُ في الرواية الحديثة جسراً خفياً يربط بين الكاتب والقارئ، وهي الأداة التي تمنح النص روحه وهويته المميزة، وهذا ما اشتغل عليه الأديب د. حسام عتَّال.

الإهداءُ المفتوح
وتوقفت الشاعرة غانم عند الإهداء حيث بجملة بسيطة، يبدأ الكتاب بإهداء عام ويختارُ عتّال إلى من يرى في الكتابة فناً أنْ يهديَ ديوانَه، يقول في إهدائه: “هذا الكتاب هدية لمن يرى في الكتابة فنًا، وأن كل قصة مهما كانت صغيرة تستحق أن تروى.”
وأشارت إلى أن الكاتب يدرك أن صفحة الإهداء تمثل بوابة أولية، مثلها مثل العنوان الرئيس للمُؤلف، يلج من خلالها القارئ إلى عوالم النصوص، وإلى أسلوب الكاتب من أول صفحة بالكتاب، فقيمة الإهداء –حسب غانم- قيمة وجدانية عميقة للمؤلف لأنه عرفان بفضل تم تقديمه له، وبالذات إذا كان موجهاً إلى إنسان آمن بموهبتك ومدّ لك يد العون لتحقيق حلمك، أو حتى إلى أماكن استقيت من عبقها إبداعك الكتابي، من كل هذه الأشياء يكتسب الإهداء قيمته العظيمة، ويشعر المؤلف بأنه قدم لهم الخلود بالنزر القليل من حقهم عليه من خلال الإهداء.
مقدمة الكتاب
وتطرقت غانم إلى مقدمة الكتاب التي كتبها أ.د. أحمد جاسم الحسين “أستاذ الأدب والنقد الحديث في جامعة دمشق، إذ قدَّم الحسين بموضوعية وشفافية تجربة الكاتب وغاص في أعماق المحتوى بعين خبيرة، كاشفاً عن جوهره، ومحللاً بنيته، ومفككاً رموزه، ومُسلطاً الضوء على أصالته وأهميته، وربطِه بالسياقات الفكرية والأدبية، مع إبداء رأي نقدي عميق يثري تجربة القارئ ويُعمّق فهمه للفن الروائي وتوجيه بوصلة القارئ من أجل الوصول إلى كتابة نص روائي بصفاتٍ محددة.
التفاعل بين المؤلف والقارئ
وأشارت غانم إلى أن كتاب د. حسام عتّال يضم ثمانية فصول، صممها بحيث تعكس فكره وثقافته وتجربته، وفي الوقت نفسه صممها لتكون قابلة للتفاعل مع تجارب ومعارف القارئ. هذا التفاعل المستمر بين المؤلف والقارئ يؤسس لبناء علاقة بناءة تجعل من عملية القراءة تجربة ثرية ومثمرة.
لاسيَّما أصبح للقارئ مهمة جديدة لا تختزل في التلقي السلبي للبحث عن المعنى الوحيد والمُحَدَّد سلفًا، وإنّما يقوم بملء فجوات النص وإدراكه وليس باعتباره كينونة ثابتة، كما يقوم أيضًا ببناء المعنى المتعدّد من خلال التفاعل معه، وهذا ما يطلق عليه فعل القراءة.
وتختم الشاعرة أحلام غانم مؤكدة أن كتاب الدكتور حسام عتّال يمثّل مغامرة إيجابية وثورية، تؤتي في الغالب آثاراً يانعة، وأخرى ناضجة، تعمل على تفكيك الأنساق المخبوءة والمُضمرة تحت عباءة القداسة، فتشكل ثورة حقيقية على الأفكار المُترهلة التي عفَا عليها الزمن؛ ويضع جوهرَ الحكاية موضع التساؤل لأن الحكاية بالأساس “موقفٌ اتصالي”.