«الزيت» في الموروث الشعبي.. بين رواية «قنديل أم هاشم» ومسلسل «مولانا»

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ رنا بغدان:
مُسح به الأنبياء والملوك والكهنة، واعتُبر مصدراً للنور وطعام الآلهة المبارك، وكان في التجارة صلة الوصل بين الشرق والغرب، اتخذته حضارات حوض البحر المتوسط وبعض دياناتها رمزاً للبركة والقداسة والسلام والشفاء، وكان ولا يزال أحد الأسرار المقدسة، فيما اعتبرته بعض الثقافات القديمة رمزاً للقوة والخلود والرفاهية والرخاء والطهارة والكرامة والثبات وحتى الغنى.
ولابد لكل من تتبع المسلسل السوري «مولانا» من إخراج سامر البرقاوي، والذي عُرض في الموسم الرمضاني الفائت، أن تعود به الذاكرة إلى رواية «قنديل أم هاشم» الشهيرة للكاتب الروائي المصري يحيى حقي التي نشرها عام 1940.
ومن خلال استغلال الناحية الإيمانية لمفعول «الزيت» في الرواية والمسلسل معاً، نجد رواية «قنديل أم هاشم» تخترق الوجدان الشعبي والذاكرة الثقافية لحي شعبي من بوابة العلم والعقل، حيث تتناول قضية الصراع بين الشرق والغرب من خلال الحداثة والتقاليد، وبين العلم والإيمان من خلال رمزية القنديل وزيته الشافي ومرجعيته إلى المسجد، فيما يتناول مسلسل «مولانا» الصراع بين السلطة من جهة وبين الإيمان والخديعة من خلال رمزية شجرة الزيتون وزيتها الشافي ومرجعيته إلى شخص «مولانا».

زيت «قنديل أم هاشم»

ويمثل زيت رواية «قنديل أم هاشم» القدرة على الشفاء من الأمراض، حتى بات الناس يستعملونه في علاج الأمراض وكقطرة للعيون المصابة بأي داء، لإيمانهم بمفعوله الشفائي.
من هنا يصاب طبيب العيون إسماعيل القادم من الخارج بعد دراسته للطب بخيبة الأمل، خاصة بعد إدراكه لسبب زيادة مدة المرض عند مرضاه ومنهم خطيبته المصابة بالرمد التي لجأت إلى نفس أسلوب العلاج الذي تسبب في تلف جفنيها ومقلتيها نتيجة ارتفاع درجة حرارة الزيت، وأيضاً ابن خالته، ما جعله يتصرف بتهور فيحطم القنديل ضارباً عرض الحائط بالموروث الشعبي، فما كان من مرضاه وأهله إلا الابتعاد عنه ونبذه، لاعتقادهم بأنه يهاجم ويتحدى معتقداتهم، ما اضطره في النهاية للمواءمة والتوفيق والموازنة بين الطب والعلم وبين العادات والمبادئ التي يقوم عليها المجتمع الشرقي بتفكيره ومعتقداته الشعبية المتوارثة، وذلك حين يقرر فتح العيادة مرة أخرى ويضع فيها زيت القنديل ليكسب حب كل من حوله وليستطيع ممارسة رسالته العلمية والمهنية في علاج مرضاه، وعلى رأسهم خطيبته «فاطمة».
فاستطاع الروائي من خلال هذه الرواية التي تعد من أبرز أعماله، أن يخلق عالماً سردياً موضوعياً يمزج بين الرمز والواقع، ويقدمه بأسلوبه المختصر والدقيق ذي التعبير الوافي والتركيز الشديد على التفاصيل الرمزية، لتصبح هذه الرواية رمزاً للموروثات الثقافية والتقاليد الثابتة.

زيت «مولانا»

في حين ترمز «شجرة الزيتون» وزيتها الشافي والتي تتوسط ساحة الضيعة، إلى التحدي والصراع بين بطش السلطة السابقة والوجدانيات، في معالجة درامية تمزج بين الوجداني والاجتماعي من خلال استغلال الناحية الإيمانية لدى البسطاء من الناس في المسلسل الدرامي السوري «مولانا»، والذي تتقاطع أحداثه مع قصة «شهلا» التي تحاول استعادة أملاك عائلتها، ومع «جابر» الهارب من جريمة قتل صهره والذي ينتحل شخصية «سليم» بعد حادث سير، متخفياً خلف ستار «نسب مقدس»، ما يخلق صراعاً بين ماضيه الدموي ودوره الجديد كـ«مخلص» لقرية «العادلية» ليتحول فجأة إلى «مولانا» الموقر في قرية حدودية، يداوي البسطاء بزيت شجرة الزيتون المباركة الموجودة في القرية، ويقودهم لمواجهة بطش «العقيد كفاح»، وينجح في أن يزرع فيهم عزيمة حقيقية على البقاء والاستمرار والتشبث بالحياة.
فيحيطه أهلها بهالة من التقديس تجعله منقذاً لهم وللقرية التي ترفض الموت، ويتجسد هذا التحول الذي يحمل أبعاداً روحية وشعبية من خلال عبارات منها: «مع أول مطرة، من أول قطفة، بعد أول عصرة، الزيت بإيده صار دوا، وصارت الناس تحلف باسمه وتناديه مولانا».

قاسم مشترك

هو «الزيت» كان ولا يزال على مر العصور مركز اهتمام وموضع التقاء بين الثقافات والموروثات والتقاليد والعادات. وستبقى مكانته ورمزيته الشفائية والدينية والاجتماعية والشعبية محفوظة في القلوب والنفوس، ومتداولة على توالي الأجيال التي كرمته وخزنته في ذاكرتها الثقافية وموروثها الشعبي كـ«قاسم مشترك» لا تمحوه الأيام.

Leave a Comment
آخر الأخبار