الساحل السوري يسترجع إرثاً عمره آلاف السنين.. بناء وإصلاح السفن حلم طال انتظاره

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية– محمد زكريا:

ربما المكان الأول الذي انطلقت منه صناعة بناء السفن في تاريخ البشرية هو الساحل السوري، حيث تغنى الفينيقيون منذ آلاف السنين بتنوع صناعتهم البحرية ومنها بناء وإصلاح السفن، حتى أنهم مخروا عباب البحر بسفنهم، بالتأكيد هذا الإرث لم يكن محمياً من قبل الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الماضية بالشكل المطلوب، إلى أن جاءت حقبة نظام الأسدين، والتي قضت على هذا الإرث بشكل كامل فلم يعد شيء يذكر من تلك الصناعات البحرية.

حلم أصبح حقيقة

ولكن مع قدوم التحرير والتوجه نحو الاقتصاد التنافسي يبدو أننا أصبحنا نتحدث حقيقةً عن عودة ذلك الإرث المفقود، والانطلاقة نحو بناء أحواض لإصلاح السفن، بعد ما كان حلماً غير قابل للتحقيق في عهد النظام البائد، اليوم وبعد سقوطه بعام أصبح حقيقة وواقعاً، حيث وقّعت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك اتفاقية استثمار استراتيجية مع إحدى الشركات التركية الرائدة، لإدخال صناعة السفن بكافة أحجامها وأشكالها وفق المعايير الدولية إلى سوريا.

خسارة اقتصادية

الباحث في مجال التخطيط الاقتصادي والاجتماعي المهندس البحري حسام علي الدوماني أوضح لـ”الحرية” أنه انطلاقاً من أهمية الموقع الاستراتيجي المميز الذي تتمتع به سوريا في شرق البحر المتوسط الذي يمنحها أهمية إضافية بالنسبة لصناعات النقل البحري، إضافةً لما تملكه من قدرات بشرية أصيلة في هذه الصناعات، نجد أن حرمان قطاع الصناعة السوري من هذه الأعمال يؤدي إلى خسارة اقتصادية كبيرة، وضياع فرص ثمينة يمكن أن تُسهم بشكل رئيسي في تنمية اقتصاد الوطن.
وحسب الدوماني فإن هذا الموقع يعطي أهمية كبيرة للمرافئ والمصبات النفطية المنتشرة على ساحله، والذي يُعدّ جسراً تعبر من خلاله البضائع إلى كل أصقاع العالم، إلى كلٍّ من العراق والأردن ودول الخليج العربي، موضحاً أن مشروع أحواض بناء وإصلاح السفن يُعدّ ركيزةً أساسيةً لتطوير صناعة النقل البحري في سوريا من جوانبها كافةً، ويسهم في استرجاع السفن التي هربت من تحت العلم السوري، وتحسين المستوى الفني للسفن السورية المسجلة تحت العلم السوري، كون الحركة الملاحية في المرافئ السورية وصلت في عام 2009 إلى نحو 25 مليون طن بعدد سفن وصل إلى 5000 سفينة سنوياً.

خطوة تاريخية

وأوضح الدوماني أنّ مشروع إنشاء أحواض بناء وإصلاح السفن ليس فقط عملاً استثمارياً بل يرقى إلى مستوى الخطوة التاريخية التي تُعيد تقاليد بناء السفن إلى الساحل السوري، والذي كان منذ آلاف السنين ربما المكان الأول الذي انطلقت منه صناعة بناء السفن الأولى في تاريخ البشرية، فهؤلاء السوريون القدماء لم يخترعوا الأبجدية فحسب بل مخروا عباب البحر بسفنهم الخشبية العظيمة ونقلوا بضائعهم وحضارتهم إلى كل شعوب الأرض.

انعكاس معنوي

ولفت الدوماني إلى أن إنشاء هذه الأحواض سيكون له الأثر الأكبر على تطوير الصناعة البحرية في سوريا، ويوفر فرص عمل كبيرة للخبرات الفنية البحرية السورية ويخلق فرص عمل إضافية، ويسهم في دعم الاقتصاد الوطني ويستقطب الكثير من ملاك السفن السوريين، موضحاً أن هذا المشروع سيزيد من الحركة الملاحية في مرفأ طرطوس بشكل خاص ومنطقة شرق المتوسط بشكل عام، وبالتالي زيادة إيرادات المرفأ بشكل كبير، إضافة إلى الانعكاس المعنوي على إكمال خدمات ولوجستيات النقل البحري في سوريا.

تكريس للاقتصاد التنافسي

وبيّن الدوماني أن هذا المشروع في طريق تكريس مبدأ اقتصاد السوق الحر، وأن جميع الاقتصاديات العالمية الناجحة اليوم هي التي تتبنى الاقتصاد الحر أو الاقتصاد التنافسي حيث يكون العرض والطلب هو سيد الأسواق التنافسية.

الانتقال إلى الموازنة التعاقدية

وبحسب نصوص الاتفاقية الموقعة مع الشركة التركية يضيف الدوماني أن المشروع سيوفر بشكل عام 1700 فرصة عمل مباشرة، وبالتالي سيقدم الكثير من فرص العمل غير المباشرة في طرطوس خاصة والمحافظات السورية الأخرى عامة، ومن جهة أخرى سيخفف الضغط على الموازنة العامة للدولة والانتقال من الموازنة التقليدية إلى الموازنة التعاقدية التي تساعد في تقديم حلول جذرية للعديد من المشاكل التي تواجه الإدارات الحكومية، وربط الموازنة بالخطط التنموية الخماسية للدولة وتنفيذ المشاريع والبرامج الحكومية بكفاءة واقتصادية وفعالية وترشيد الإنفاق العام.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار