السوريون خرجوا من دائرة الفقر .. ماذا عن السياسات الاقتصادية التنموية والدعم؟

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية- بادية الونوس: 

الفقر الذي كاد يصبح ظاهرة، هذا الموضوع تحديداً لا يحتاج إلى ثبوتيات ووثائق لأن نظره عامة إلى الأحوال تشير إلى هذا الواقع، الذي يؤكد أن 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر نتيجة استنزاف الموارد خلال السنوات الماضية.

وهذا ما أكدته وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في إحدى تصريحاتها الإعلامية، عن أسباب هذه الظاهرة، تبعاتها وما تنعكس به على الاقتصاد كله.

هل من حلول يطرحها أصحاب الشأن قد تسهم من حلها أو التخفيف من وطأتها؟.. هذا ما نتناوله في موضوعنا هذا.

الواقع ينطق

صور عديدة للفقر بأشكال متعددة والألم واحد، تقف أم فؤاد بنظرات مكسورة وهي تنتظر البائع أن ينهي طلبات الزبائن، ثم تطلب منه بعينيها الغائرة لبنة بخمسة آلاف ليرة، والزعتر بألفي ليرة، أما الزيت فلم تعد تملك سوى سؤال عن سعره.

هذه المشاهد أصبحت جزءاً من واقع غالبية السوريين، إذ لا يقتصر الأمر على تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية، بل يكشف عن وجع أعمق.

في ركن آخر، تقف أم جهاد التي تشبه اسمها، تعمل بكل ما أوتيت من قوة، لتأمين متطلبات أولادها الأربعة الذين تركهم زوجها بعد رحيله، وهم يحاولون بكل جهدهم العمل في أكثر من جهة، أما هي، فلا تكتفي بعمل واحد، بل تعمل في عدة مجالات، وتلجأ إلى النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، للعمل كل ما يطلب منها حتى وإن كانت مدبرة منزل أو تنظيف بيوت أو أعمال المونة، ورغم كل هذا، تمر أيام كثيرة لا تستطيع فيها  شراء مستلزمات طبختها  خصوصاً في أيام البرد القاسية حيث يقل الطلب على العمل.

لميا، صبية في مقتبل العمر تحكي قصة مختلفة، فقد تم إنهاء عقدها في الجهة التي تعمل بها، وهي الآن تعمل مع والدها في فرن معجنات، لكن ارتفاع الأسعار وضغط دفع إيجار المنزل تحولان حياتها إلى كابوس.

وفق تقرير للأمم المتحدة

وفق تقرير لبرنامج الأمم المتحدة لعام 2025 بين أنه كل تسعة أشخاص من عشرة في سوريا يعيشون في فقر وأن كل واحد من كل أربعة عاطل من العمل، وأضاف التقرير: إن سنوات الحرب الطويلة أفسدت ما يقرب من أربعة عقود من التقدم الاقتصادي والاجتماعي ورأس المال البشري.

وأضاف التقرير إن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر وإن واحداً من كل أربعة عاطل عن العمل، ولكن اقتصاد البلاد يمكن أن يستعيد مستواه لما قبل الحرب في غضون  أقل من عقد من الزمان في ظل نمو قوي.

إن استعادة الإنتاجية من أجل خلق فرص العمل وتخفيف حدة الفقر، وتنشيط الزراعة من أجل تحقيق الأمن الغذائي، وإعادة بناء البنية التحتية للخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والطاقة، كلها عوامل أساسية لتحقيق مستقبل مستدام، والازدهار، والسلام وفق ما أورده التقرير.

مشكلة مركبة

إذاً أمام هذا المشهد الأليم يقدم أهل الشأن الاقتصادية رؤيتهم لـ”الحرية”، يرى الباحث الاقتصادي عبد الرحمن تيشوري أن الفقر في سوريا هو ظاهرة مركبة ومتعددة الأبعاد ترتبط بعدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، تشير الدراسات إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، الذي يُحدد بدخل يومي لا يتجاوز   3 دولار، أي ما يعادل حوالي 90  دولار شهرياً، ويزيد معدل الفقر الأدنى  من السكان، ما يعكس حالة الفقر الواسعة التي تؤثر في معظم شرائح المجتمع، التي تعاني من تهميش وعدم تكافؤ في الحصول على الموارد وفرص العمل والمشاركة في صنع القرار، ناهيك بالزيادة السكانية المرتفعة التي تعد من الأسباب الجوهرية؛ فالنمو السكاني في سوريا يبلغ حوالي 3% سنويًا، ما رفع عدد السكان إلى حوالي 23 مليون نسمة حاليًا، ويترتب على هذا النمو دخول نحو ربع مليون شخص جديد إلى سوق العمل كل عام، ما يضيف تحديات إضافية للاقتصاد في ظل غياب برامج تنموية قادرة على استيعاب هذه الزيادة.

تأثيرات الحروب

يعاني الاقتصاد السوري من تأثيرات الحروب المتتالية التي سلبت الموارد وأضعفت القدرة على تكوين رؤوس أموال للاستثمار والتنمية، كما أن معدلات التضخم في النفقات العامة مرتفعة، والمتوسط المرتفع لعدد المعالين لكل فرد، حيث يعيل الشخص الواحد ثلاثة أشخاص أو أكثر، يزيد العبء المادي على الأسر ويعقد جهود تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وفق الباحث تيشوري، مضيفاً أنه هناك مشاكل أخرى مثل غياب الادخار لدى الأفراد وارتفاع تكاليف المعيشة، ويزيد ذلك من استمرار الأزمة الاقتصادية، خاصة مع وجود نسبة كبيرة من الشباب خارج سوق العمل، ما يعرقل التنمية ويحجم فرص الإصلاح.

الفقر في جوانب أخرى

يشير الباحث تيشوري إلى أن الفقر لا يُقاس فقط بمستوى الدخل، ووفق (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)، هو شكل من أشكال الحرمان التي تشمل انعدام الفرص في التعليم والصحة ومستوى المعيشة، كما يوجد مؤشر الفقر البشري الذي يجمع بين ثلاثة مؤشرات رئيسية: الحرمان من حياة صحية وطويلة، مؤشر التعليم المرتبط بمعدلات الأمية، والحرمان من مستوى معيشي لائق.

ووفق رؤية الباحث الاقتصادي أنه لو طبقنا هذا المؤشر على الحالة السورية، نجد أن نسبة الفقر تصل إلى نحو 99%، وهذا يشير إلى أن الأزمة تفوق النقص المالي، إذ تمس كل جوانب الحياة.

ومن المهم أن تكون لدى الأفراد القدرة على مواجهة هذه التحديات إلى جانب دور الحكومة في توفير الدعم والإمكانات على المستويين المحلي والعالمي، تمثل النساء نسبة كبيرة من الفقراء؛ وفي سوريا بوجه خاص، تؤكد الإحصائيات أن الغالبية العظمى من الفقراء هم من النساء اللائي يواجهن عراقيل متزايدة بسبب محدودية الفرص وضعف المشاركة الاقتصادية والاجتماعية.

وضع سياسات تنمية

أمام هذا الواقع لا بد من إجراءات يفترض العمل على تنفيذها لتخفيف من وطأة هذا الواقع، وهنا يؤكد الباحث الاقتصادي، أنه لا بد تبني الحكومة سياسات شاملة لمعالجة هذه الظاهرة المتفاقمة، من بينها:

– نشر الوعي بسياسات التنمية بين المواطنين، وتحفيزهم على العمل والمبادرة بالبحث عن فرص عمل ومشاريع إنتاجية تخلق فرص عمل جديدة ومستدامة.

– رفع الأجور والرواتب إلى مستوى يعادل خط الفقر الأدنى، أي حوالي 300 دولار شهرياً، مع الأخذ بالاعتبار احتمالية تغير هذا التعريف وفق الظروف الاقتصادية.

– تبني سياسات تنموية متخصصة لضبط معدل النمو السكاني وضمان توازن بين عدد السكان والموارد الاقتصادية.

– السماح بالاقتراض الحكومي الموجه بحكمة وفق رؤية تنموية واضحة، بحيث تُوظف الأموال في مشاريع الزراعة والإنتاج والتشجير والتنمية المستدامة.

تفعيل دور المرأة

والنقطة الأهم التي تحدث عنها تيشوري هي تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل وتمكينها اجتماعياً واقتصادياً، وذلك لمواجهة الفجوة بين الرجل والمرأة في الحصول على الموارد ووظائف صنع القرار.

مكافحة النظرة النمطية التي تحصر المرأة في أدوار تقليدية وتحد من مشاركتها الفاعلة في المناصب الإدارية والقضائية والدبلوماسية، حيث إن تمكين المرأة يعد ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الشاملة.

تمكين المرأة والشباب

إن معالجة الفقر في سوريا تتطلب تضافر جهود الحكومة والمجتمع على حد سواء، مع وضع خطط تنموية مستدامة وأهداف واضحة تركز على رفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز دور الفرد والمجتمع، وخصوصاً تمكين المرأة والشباب لصنع مستقبل مزدهر لسوريا الجديدة.

Leave a Comment
آخر الأخبار