السياسات المالية.. هل تكفي لإعادة التوازن الاقتصادي؟ 

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

‏الحرية – فادية مجد :

‏يحتل الإصلاح المالي موقعاً بارزاً في النقاشات الاقتصادية السورية، إذ يطرح في كل مرة يشتد فيها الضغط على الموازنة العامة، ويثير هذا الطرح جدلاً واسعاً بين من يراه ضرورة لإنقاذ الاقتصاد، ومن يعتبره خطوة شكلية لا تعالج جذور الأزمة.

‏فالملف المالي يرتبط مباشرة بواقع الإنتاج والاستثمار والدعم، ما يجعله أكثر تعقيداً من مجرد إجراءات حسابية.

‏الإصلاح المالي ليس كافياً

‏وفي هذا السياق قدم  الخبير والاستشاري في الاقتصاد والإدارة الدكتور سامر رحال  رؤية توضح أبعاد المشكلة ومسارات الحل حيث أفاد لـ”الحرية” بأن تصاعد الحديث عن “الإصلاح المالي” كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية في سوريا يعكس اعتقاداً شائعاً بأن تخفيض النفقات وإعادة هيكلة الدعم وتحسين الجباية يمكن أن تشكّل طوق نجاة، إلا أن الواقع – كما يقول – أكثر تعقيداً من ذلك بكثير

‏عجز ناتج عن تراجع الإنتاج

‏وأشار رحال إلى أن العجز المالي في سوريا ليس خللاً حسابياً يمكن معالجته برفع ضريبة هنا، أو خفض بند إنفاق هناك، بل هو انعكاس مباشر لاقتصاد تقلّصت قاعدته الإنتاجية، وتراجعت صادراته وارتفعت كلف تشغيله، لافتا إلى أن ضعف الإنتاج يجعل الإيرادات محدودة بطبيعتها، فيما يتحول الضغط الضريبي إلى عبء إضافي على قطاع خاص يعاني أصلاً من الانكماش.

‏وبيّن رحال  أن محدودية الموارد تدفع نحو تمويل العجز بطرق تؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية، وبالتالي تغذية التضخم، ما يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة هي ارتفاع أسعار، تراجع قوة شرائية، انكماش أكبر، ثم انخفاض جديد في الإيرادات، منوهاً بأن المشكلة هي مشكلة بنيوية قبل أن تكون مالية.

‏تحديات تعيق الإنتاج والاستثمار

‏وأوضح رحال أن الصناعة تواجه كلفاً مرتفعة للطاقة والنقل، والزراعة تعاني من تحديات التمويل والمياه والتسويق، بينما يعيش الاستثمار حالة تردد مزمنة بفعل ضعف الاستقرار وتغيّر التشريعات مبيناً أنه في ظل هذه الظروف، لا يمكن للسياسة المالية أن تعمل بمعزل عن سياسات إنتاجية واضحة.

‏وتناول الدكتور رحال دور مصرف سوريا المركزي، مؤكداً أن ضبط الكتلة النقدية واستقرار سعر الصرف مهمان، لكن أثر السياسة النقدية يبقى محدوداً ما لم يستند إلى نمو حقيقي في الإنتاج والصادرات،  فاستقرار العملة – كما يوضح – لا يفرض بقرارات إدارية، بل يبنى على ثقة السوق.

‏الدعم بين التخفيض والٱثار الاجتماعية

‏وفيما يتعلق بملف الدعم، اعتبره المثال الأوضح على تعقيد المشهد، إذ إن تقليصه قد يحسّن أرقام الموازنة شكلياً، لكنه من دون بدائل اجتماعية وتحفيز إنتاجي سيؤدي إلى ضغط على الطلب وتعميق الركود، لافتاً إلى أن الإصلاح المالي الذكي لا يقوم على تخفيض النفقات فقط، بل على إعادة توجيهها نحو القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل.

‏كيفية إعادة التوازن المالي

‏ويخلص الدكتور رحال إلى أن إعادة التوازن للاقتصاد السوري تتطلب رؤية أشمل تقوم على تنشيط الإنتاج قبل توسيع الجباية، وتحفيز الاستثمار قبل تشديد القيود، وبناء الثقة قبل فرض إجراءات تقشفية جديدة، فالتوازن لا يتحقق عبر الضغط على اقتصاد منهك، بل عبر منحه أسباباً للنمو.

‏ويختتم بالقول إن السياسات المالية ضرورية، لكنها ليست العصا السحرية، فالمشكلة لا تكمن في دفتر الحسابات بل في إعادة بناء القاعدة الإنتاجية التي يقوم عليها الاقتصاد كله.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار