الشراكة الاستراتيجية تعزز تنافسية المنتجات السورية وخطوة على طريق التعافي الاقتصادي

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية ـ باسمة إسماعيل:

حمل اللقاء الذي جمع المدير العام لهيئة تنمية ودعم الإنتاج المحلي والصادرات منهل الفارس مع كبار المسؤولين في مجلس المصدرين التركي مؤخراً، طابعاً عملياً واستراتيجياً متجاوزاً الإطار البروتوكولي، حيث جرى التركيز على الانتقال من التنسيق التقليدي إلى التكامل التصديري الحقيقي، وبهذا الصدد نرى إرادة واضحة من قبل الدولة لتعزيز هذا التكامل، ما يعكس تطلعات سوريا الجديدة إلى أن تصبح مركز إنتاج إقليمي منافس، بحسب تقييم الدكتور عبد الهادي الرفاعي، عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية.

تحقيق التكامل التصديري

وأكد الرفاعي خلال حديثه لـ “الحرية” أن تفعيل العلاقات التصديرية مع شركاء اقتصاديين مثل تركيا لا يقتصر على زيادة حجم الصادرات فحسب، بل يسهم في نقل الخبرات والتقنيات وتحسين جودة المنتج المحلي، ما يعزز تنافسيته في الأسواق الإقليمية والدولية ويأتي هذا التحرك الاستراتيجي لترسيخ دور سورية الجديدة كمركز إنتاج إقليمي، عبر تجاوز الأطر التقليدية نحو تفعيل العمل التصديري، من خلال تذليل العقبات اللوجستية وتأمين نفاذ مستدام للمنتج السوري نحو الأسواق العالمية.

الاستفادة من التجربة التركية

وبيّن الدكتور عبد الهادي أن تركيا تمتلك واحدة من أكثر تجارب إدارة الصادرات تطوراً في المنطقة، إذ حولت اقتصادها إلى قوة تصديرية عالمية خلال العقدين الماضيين، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وبنيتها التحتية المتطورة، وبالتالي يمكن لسوريا الاستفادة من هذه التجربة في عدة مجالات، أبرزها:

ـ تطوير المنظومة المؤسسية للتصدير: من خلال الاستفادة من خبرة مجلس المصدرين التركي في تنظيم وتنسيق العمل التصديري.

ـ تعزيز جودة المنتج المحلي: وفق معايير الأسواق الدولية.

ـ بناء قنوات تسويقية فعالة: تتيح للمنتج السوري الوصول إلى أسواق جديدة.

وأضاف: يظهر نجاح هذه التجربة بوضوح في الأرقام، حيث ارتفعت الصادرات التركية إلى سورية خلال عام 2025 بنسبة 69% مقارنة بعام 2024، ليصل إلى 2.568 مليار دولار.

بناء قنوات ربط مباشرة يخلق بيئة أعمال أكثر شفافية

وتابع: لا شك فإن بناء قنوات ربط مباشرة بين المصدرين، يسهم في تسريع حركة التبادل التجاري، إلى جانب العمل على إزالة العوائق الفنية واللوجستية التي تعترض تدفق السلع بين الجانبين.

ونوه بأن هذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات التي واجهتها حركة التجارة بين البلدين خلال السنوات الماضية، حيث إن بناء قنوات مباشرة بين المصدرين: يقلل من تكاليف الوساطة، وينعكس إيجاباً على أسعار المنتجات، كما يسرع عمليات التصدير والاستيراد، ويحسن كفاءة سلاسل التوريد، ويعزز الثقة بين الأطراف التجارية، ويخلق بيئة أعمال أكثر شفافية.

توسيع الأسواق وتعزيز البنية التحتية

ولفت الدكتور عبد الهادي إلى أنه من جهة أخرى يسعى الاقتصاد السوري من خلال هذه الشراكة، إلى استعادة موقعه الطبيعي على خريطة التجارة الإقليمية من خلال:

-1 تعزيز التعاون في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، حيث تعتبر الطاقة الأساس لتحريك عجلة الاقتصاد.

-2تطوير شبكات النقل واللوجستيات بما يسهل حركة التبادل التجاري.

-3توسيع الأسواق المستهدفة لتمتد إلى دول الجوار والخليج وأوروبا.

وأشار إلى أن المؤشرات الأولية تؤكد نجاح هذا التوجه، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين سوريا وتركيا 3.7 مليارات دولار عام 2025 بزيادة 40%، كما سجلت الصادرات التركية إلى سوريا، نمواً كبيراً في قطاعات الحبوب والمواد الكيميائية والكهرباء والإلكترونيات.

الفرص والتحديات أمام المنتج السوري

ويرى الدكتور عبد الهادي أن فتح الأسواق الخارجية حالياً، يمثل فرصة ذهبية للمنتج السوري، لكنها في الوقت نفسه تمثل اختباراً حقيقياً لقدرته على المنافسة، فمن جهة، تعزز عودة الاستقرار إلى سوريا من فرص نفاذ منتجاتها إلى الأسواق المجاورة والعالمية. أما من جهة أخرى، فإن قدرة المنتج السوري على المنافسة تتوقف على عدة عوامل:

ـ جودة المنتج ومطابقته للمواصفات الدولية.

ـ السعر التنافسي مقارنة بالمنتجات الأخرى.

ـ القدرة على الالتزام بكميات التوريد والمواعيد المحددة.

مشروع “البحار الأربعة” ورؤية استراتيجية

وأشار إلى أنه في اتجاه آخر يعد قطاع الطاقة محوراً أساسياً في التعاون السوري ـ التركي، حيث تم التركيز في الاتفاقيات الأخيرة على هذا القطاع باعتباره الأساس لتحريك عجلة الاقتصاد. ويكتسب هذا التركيز أهمية استثنائية في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، حيث برزت الحاجة إلى بدائل برية لنقل الطاقة، خاصة مع تصاعد المخاطر في الممرات البحرية التقليدية.

ويأتي مشروع “البحار الأربعة” الذي أعلن عنه وزير الخارجية السوري خلال زيارته إلى أنقرة، ليجسد هذه الرؤية الاستراتيجية، حيث يهدف المشروع إلى ربط الخليج العربي وبحر قزوين بالبحر المتوسط، والبحر الأسود عبر شبكة متكاملة من الموانئ والطرق البرية والسكك الحديدية.

كما يهدف المشروع إلى تحويل سوريا وتركيا إلى شريان رئيس لإعادة توزيع الطاقة في المنطقة وانشاء ممرات بديلة لنقل النفط والغاز، تقلل الاعتماد على مضيق هرمز.

تصدم بواقع معقد

ونوه بأنه رغم الجاذبية النظرية لهذه المشاريع الطموحة، فإنها تصطدم بواقع معقد يتمثل في البنية التحتية السورية، التي تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب، وتتطلب استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها.

وختم الدكتور عبد الهادي قائلاً: تمثل الشراكة السورية ـ التركية الناشئة خطوة مهمة على طريق التعافي الاقتصادي، ولكن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحويل هذه الاتفاقيات إلى واقع ملموس يعود بالفائدة على اقتصاد البلدين.

فمع ترحيب المراقبين بهذه الخطوات الإيجابية، فإنهم يشددون على ضرورة التعامل مع التحديات الواقعية، وفي مقدمتها إعادة بناء البنية التحتية، وتحقيق الاستقرار الأمني، وتطوير قدرات المنتج المحلي ليكون قادراً على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.

ويبقى الرهان على قدرة هذه الشراكة الاقتصادية في تجاوز هذه العقبات، وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص نمو حقيقية ومستدامة، تعيد لسوريا دورها الطبيعي كمركز إنتاج وتصدير إقليمي موثوق.

Leave a Comment
آخر الأخبار