الصرافة غير الرسمية وتجارة العملات.. تحقق ربح سريع بظل التقلبات الحادة بسعر صرف الليرة السورية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – صالح صلاح العمر:
في بيئة اقتصادية صعبة وظروف معيشة أصعب وبسبب تدهور قيمة العملة المحلية واتساع الفجوة بين الصرف الرسمي والسوق السوداء، بدأت تظهر تجارة جديدة نسبياً في المشهد الاقتصادي السوري، هي تجارة بيع العملات الأجنبية (دولار، يوريو، ليرة تركية وغيرها) مقابل الليرة السورية، والتي تطورت من نشاط هامشي إلى سوق منظم يشغل عدداً متزايداً من السوريين الباحثين عن مصدر رزق.

فكرة هذه التجارة

تجارة بيع العملات (الصرافة غير الرسمية) هي عملية شراء وبيع العملات الأجنبية خارج المؤسسات المصرفية الرسمية، حيث يعمل الصرافون كوسطاء بين من يملكون العملات الأجنبية وبين من يحتاجون إليها، مع تحقيق هامش ربح من الفرق بين سعر الشراء والبيع. تختلف هذه التجارة عن سوق الفوركس العالمي المنظم، فهي تتم في ظروف غير رسمية غالباً.

التباين في سعر الصرف

الخبير الاقتصادي عبد القادر عبد الكريم قال لـ”الحرية”: إن التباين في سعر الصرف بين البنك المركزي وشركات الصرافة، هو أن البنك المركزي لا يضخ دولاراً في السوق لذلك أصحاب المكاتب يضطرون لشراء الدولار من السوق السوداء، وأحياناً يعود هذا التباين لتأخير تحديث البيانات لدى شركات الصرافة ( لغاية في نفس يعقوب).
أما اختلاف الصرف بين شركة وأخرى، فعزاه لعدة أسباب: مثلاً شركة بحاجة لتأمين دولار فترفع السعر وأغلب أصحاب محلات الصرافة مرتبطون بشركة أو بشخص لديه أموال كثيرة ولهم نسبة من البيع.
المواطن أحمد الصطوف صاحب مكتب الحلبي للصرافة في مدينة إدلب له رأي آخر، حيث بيّن أنه يريد ترخيص مكتبه بشكل نظامي، ولكن بسبب المبلغ الكبير الذي وضعه مصرف سوريا المركزي لشرط الترخيص، إضافة إلى نسبة 35 بالمئة من الأرباح، سببت تأخير التفكير بالترخيص.
المواطن عدنان أبو حاتم يقول: هذه التجارة تتميز بسيولة نقدية عالية، حيث يمكن تحويل الأصول إلى نقد بسرعة، ما يجذب العديد من المستثمرين الصغار والمتوسطين، وهي فرصة ربح سريعة في ظل التقلبات الحادة في سعر صرف الليرة السورية.
كما أنها لا تحتاج إلى رأس مال ضخم في البداية، ويمكن ممارستها من خلال منصات التواصل أو محلات صغيرة، ما يجعلها متاحة للعديدين.
المهندس مصطفى غندور يقول: كانت سوريا تعاني من إغلاق اقتصادي كامل وكان النظام البائد مسيطراً على مفاتيح الاقتصاد بكل تفاصيله ومنها تجارة العملة، ويرى أن الموازنة بين السماح للشركات بالعمل في السوق وبين الحفاظ على قدرة المركزي على التحكم بالعرض النقدي، هي مفتاح استقرار سعر الصرف وحماية مدخرات المواطنين.

وجهة نظر قانونية

المحامي محمد دغموش له وجه نظر قانونية، إذ بيّن لـ”الحرية” أن المعاملة القانونية لهذه التجارة تختلف بين المناطق السورية، وقد تتعرض للملاحقة في بعض الأحيان وهذه التعاملات تتم بلا عقود رسمية، ما يعني عدم وجود حماية قانونية في حال النزاع.
محمد السعيد يقول: السوق السوري تتسم بتقلبات حادة لا يمكن التنبؤ بها أحياناً، ما قد يؤدي لخسائر فادحة، وأن تجار العملات أصبحوا هدفاً للسرقات والخطف بسبب تعاملهم بالنقود.
كما تتداخل هذه التجارة أحياناً مع عمليات غسيل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، ما يعرض العاملين فيها للمخاطر الأمنية.

توصيات للحد من المخاطر

يتفق الاختصاصيون على جملة من التوصيات للحد من الآثار السلبية لسوق الصرف “السوداء”، أهمها:

  • تنظيم القطاع من خلال وضع إطار قانوني منظم يحدد شروط مزاولة المهنة وضوابطها.
  • الشفافية: تشجيع التوثيق الرقمي للعمليات للحد من المخاطر الأمنية والقانونية.
  • توعية المتداولين: نشر الوعي بمخاطر هذه التجارة وآليات إدارة المخاطر.
  • التدرج في الدخول: البدء برؤوس أموال صغيرة وعدم المخاطرة برأس المال كاملاً.
  • تنويع الاستثمار: عدم الاعتماد على هذه التجارة كمصدر دخل وحيد.

تجارة بيع العملات في سوريا تعكس مرحلة انتقالية صعبة في الاقتصاد السوري، وهي تجارة تحمل فرصاً للربح السريع لكنها محفوفة بمخاطر كبيرة. في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي وانعدام البدائل، يلجأ العديد من السوريين إلى هذه التجارة كحل مؤقت، لكنها لا تشكل حلاً مستداماً للأزمة الاقتصادية. الحل الجذري يحتاج إلى استقرار سياسي واقتصادي، وإصلاح حقيقي للنظام المالي والمصرفي، ووضع سياسات نقدية واقعية تعيد الثقة بالعملة الوطنية وتوفر بدائل استثمارية آمنة للمواطنين.

في النهاية، بينما تبقى هذه التجارة أحد أوجه الاقتصاد الموازي الذي فرضته الظروف الاستثنائية، فإن التعامل معها يتطلب وعياً بالمخاطر، وحرصاً على عدم التحول إلى مضارب يسهم في تعميق الأزمة، بل إلى مشارك في سد حاجة مجتمعية ضمن ضوابط تضمن الحد الأدنى من الحماية للجميع.

Leave a Comment
آخر الأخبار