أكثر من 80% من العائلات السورية تواجه صعوبات في تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ سراب علي: 

لطالما هيمن حلم الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي على الخطابات الاقتصادية، فبين تراجع الإنتاجية المحلية، وتذبذب سلاسل الإمداد العالمية، يجد صانع القرار نفسه أمام معادلة صعبة: هل يكون الحل بتحقيق اكتفاء ذاتي كامل؟ أم في تنويع مصادر الاستيراد وضمان موثوقيتها؟

لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: بغض النظر عن مصدر الغذاء، كيف يمكن ضمان وصوله للمستهلك بأسعار مناسبة، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وترتفع تكاليف الإنتاج والنقل؟ وهنا تبرز أهمية البحث في آليات التدخل الفاعلة.

“الاكتفاء الذاتي” في سوريا

الدكتور علي سلطانة الاختصاصي في الهندسة الغذائية، عضو الهيئة التدريسية في جامعة اللاذقية يشير في بداية حديثه لـ “الحرية” إلى توصيفه للواقع، فسوريا لا تزال ضمن قائمة الدول الأكثر معاناة من الأزمات الغذائية على مستوى العالم، وأوضح أن أكثر من 80% من العائلات السورية تواجه صعوبات يومية في تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء، ما يستدعي وقفة جادة لإعادة النظر في السياسات المتبعة.

د.سلطانة : التكامل الذكي ” كبديل واقعي لحلم الاكتفاء الذاتي في سوريا

ويرى سلطانة أن تحقيق “أمن غذائي مستدام وحقيقي ” في سوريا لا يعني بالضرورة زراعة كل شيء محلياً، وفي مفارقة قد تبدو صادمة للبعض، يوضح أن السعي لتحقيق اكتفاء ذاتي في محاصيل معينة كالسكر والأرز هو بمثابة مغامرة فالواقع المائي في سوريا لا يحتمل، وزراعة هذه المحاصيل تستهلك كميات هائلة من المياه الجوفية، وهنا يشير إلى أنه أحياناً يكون استيراد المادة هو في الحقيقة توفير للمياه الجوفية، لاستخدامها في زراعة المحاصيل الأهم كالقمح.

“التكامل الذكي” نظرية للأمن الغذائي

إذا كان شعار الماضي هو “ازرع كل شيء”، فإن شعار المستقبل برؤية الدكتور سلطانة هو “ننتج ما نبرع فيه، ونستورد ما يعجز إنتاجنا عنه بكفاءة ” ، هذه هي استراتيجية “التكامل الذكي” التي يدعو إليها، والتي تقوم على التخصص بدلاً من العشوائية، فبدلاً من التشتت، يجب أن يتركز الدعم الحكومي والجهد المحلي على ركائز محددة بدقة، مع تنظيم عملية الاستيراد وعدم الاعتماد على مورد واحد.

ماذا ننتج وماذا نستورد؟

في معرض حديثه، رسم سلطانة خريطة واضحة للمحاصيل التي يجب أن تشهد طفرة في الإنتاج المحلي، وتلك التي يجب تأمينها بذكاء عبر الاستيراد، ويأتي على رأس القائمة القمح نظراً لدوره المرتبط بالأمن الاجتماعي عبر تأمين رغيف الخبز، وكذلك قطاع المنتجات الحيوانية (الألبان واللحوم)، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهه بسبب ارتفاع تكاليف الأعلاف وتغير المناخ، إلا أن الخبرة السورية العريقة في هذا المجال تستدعي العمل على تذليل العقبات الهيكلية والاقتصادية لإعادة النهوض به، كما أشار إلى ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي في البقوليات والزيوت النباتية، وخاصة زيت الزيتون، الذي تمتلك سوريا ميزة تنافسية كبيرة في إنتاجه.

تحول جذري في مفهوم الدعم

ويؤكد الخبير الزراعي على أن تحقيق الأمن الغذائي للمواطن السوري يتطلب الانتقال من الدعم الاستهلاكي القائم على توزيع المعونات، إلى “الدعم الإنتاجي” ، أي تمكين المواطن من إنتاج غذائه أو شرائه بكرامة، ويقترح لتحقيق ذلك دعم سلاسل القيمة للمنتجات الغذائية الضرورية لضمان وصول الغذاء من الحقل إلى المائدة بأقل تكلفة عبر دعم حلقات الإنتاج والتوزيع والتسويق، بالإضافة إلى ضرورة دعم القدرة الشرائية، لذا يرى سلطانة ضرورة ربط الأجور بسلة الغذاء الأساسية، عبر سياسة دعم مالي توزع كمبالغ نقدية للمواطنين تتيح لهم شراء حاجياتهم، وكذلك لابد من وجود شبكة حماية اجتماعية وتخصيص دعم موجه للفئات الأكثر هشاشة مثل (طلاب المدارس والجامعات والحوامل).

Leave a Comment
آخر الأخبار