الحرية – آلاء هشام عقدة:
تدخل سوريا مرحلة مفصلية من مسارها الاقتصادي، حيث لم تعد إعادة الإعمار مسألة فنية لإصلاح ما تهدّم، بل اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد الوطني على استعادة توازنه والانتقال إلى مرحلة التعافي المستدام. وفي ظل محدودية الموارد العامة وارتفاع كلفة المشاريع، يبرز إشراك القطاع الخاص كأحد الخيارات الواقعية المطروحة لتحريك الاستثمار وتسريع عودة النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي عبد الله أوبان في تصريح لـ«الحرية» أن دور القطاع الخاص يشكل عنصراً حاسماً في تسريع التعافي الاقتصادي، مشيراً إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول الخارجة من النزاعات لا تستطيع إعادة البناء اعتماداً على القطاع العام وحده، واستشهد بتجارب أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية عبر «مشروع مارشال»، إضافة إلى لبنان بعد الحرب الأهلية ورواندا بعد الإبادة الجماعية، حيث أسهم تمكين القطاع الخاص وإقامة شراكات فعالة مع الحكومات في إعادة بناء البنى التحتية، وخلق فرص العمل، وتحفيز النمو الاقتصادي. وهي نماذج يمكن لسوريا الاستفادة منها مع مراعاة خصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية.
مزايا تنافسية
ويرى أوبان أن القطاع الخاص يمتلك مزايا نسبية تجعله أكثر قدرة على التحرك في مرحلة التعافي، أبرزها السرعة والمرونة في اتخاذ القرار والتنفيذ مقارنة بالإجراءات البيروقراطية المعقدة، إضافة إلى سعيه الطبيعي لرفع الكفاءة وتحسين الجودة وخفض التكاليف. كما يتمتع بقدرة أعلى على جذب التمويل والاستثمار والتقنيات الحديثة، ما يسهم في تقليص الفجوة التكنولوجية وتسريع تنفيذ المشاريع الحيوية.
بيئة تمكينية شرط النجاح
ويؤكد أوبان أن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق دون بيئة تشريعية وتنظيمية مستقرة وواضحة، تبدأ بإصدار قوانين تحمي الاستثمار وتنظم الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتعزز الشفافية وتحدّ من المخاطر غير التجارية. كما شدد على أهمية وجود مؤسسات قوية تعتمد الحوكمة الرشيدة، وتؤمن توزيعاً عادلاً للمخاطر بين الأطراف المتشاركة، إلى جانب آليات فعالة ومستقلة لفض النزاعات، بما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
قطاعات مفتوحة أمام الاستثمار
وأشار أوبان إلى أن مجالات إشراك القطاع الخاص تمتد إلى قطاعات حيوية، في مقدمتها الطاقة الكهربائية عبر الاستثمار في مشاريع التوليد التقليدية والمتجددة وشبكات التوزيع، إضافة إلى النقل والبنى التحتية من طرق وموانئ ومطارات، كما يشمل الدور القطاع الصحي من خلال بناء وإدارة المنشآت الطبية، وإدارة النفايات ومعالجة التحديات البيئية، إلى جانب تطوير القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية عبر إدخال التقنيات الحديثة ورفع الإنتاجية.
نماذج شراكة مجرّبة
ونوّه أوبان بتنوع صيغ إشراك القطاع الخاص، وعلى رأسها الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، ونموذج البناء–التشغيل–التحويل (BOT)، وهي نماذج أثبتت نجاحها في دول عدة، مثل مشاريع الطاقة الشمسية في المغرب، ومشاريع المياه والصرف الصحي في الأردن، والموانئ والطرق السريعة في تركيا، إضافة إلى التجربة السعودية ضمن «رؤية 2030».
وفي هذا الإطار، يؤكد أوبان أن الاستثمار الخاص لم يعد خياراً ثانوياً في مرحلة التعافي، بل استجابة واقعية لعجز الموارد العامة وارتفاع كلفة إعادة الإعمار، ووسيلة عملية لتسريع تنفيذ المشاريع وتحويل الخطط من أطر نظرية إلى مشاريع إنتاجية قابلة للاستمرار.
وختم أوبان بأن إشراك القطاع الخاص في إعادة الإعمار لا يتعلق بمنحه دوراً إضافياً، بل بإعادة تعريف شكل الاقتصاد السوري القادم. فإما شراكة حقيقية تُحوّل الاستثمار إلى إنتاج وفرص عمل ونمو مستدام، وإما بقاء التعافي الاقتصادي في دائرة الوعود المؤجلة والنصوص غير القابلة للتنفيذ.