القطاع العام الصناعي في سوريا وتجربة ألمانيا الشرقية: الدروس الضائعة في طريق الإصلاح

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية- آلاء هشام عقدة:

لطالما اعتبر القطاع العام الصناعي في سوريا “اقتصاداً تقليدياً” أكثر منه واقعا منتجاً. عشرات الشركات والمصانع الحكومية التي أنشئت في عقود سابقة تضم صناعات ثقيلة مثل النسيج والكيماويات والغذائية والإسمنت لم تتحول إلى قوة اقتصادية فاعلة في يوم من الأيام حتى قبل عام 2011.
ويشير الباحث الاقتصادي الدكتور سامر رحال في حديثه لـ ” الحرية” أن القطاع العام الصناعي مع مرور السنوات أصبح يعكس أكثر ما يعاني منه الاقتصاد السوري من تدهور إنتاجي مع تراجع المساهمة في الناتج المحلي و ضعف تنافسي و غياب دور ملموس في التصدير.

في مقابل هذا الواقع في سوريا تبرز تجربة ألمانيا الشرقية بعد توحيد ألمانيا كنموذج لإصلاح قطاع عام صناعي ضخم سبق وأن مر بأوضاع قريبة من الحالة السورية من حيث البنية والتحديات لكنه اتخذ – ولو بأسلوب صادم للبعض – قرارات غير تقليدية أدت إلى تغيّر الصناعات وهيكليتها خلال أقل من عقد من الزمن، القراءة المقارنة بين هاتين الحالتين لا تقدّم فقط دروساً تاريخية بل تسلط الضوء على خيارات سياسية واقتصادية حاسمة أمام سوريا اليوم.

القطاع الصناعي في سوريا … أرقام وإشكالات بنيوية

ويرى رحال أن القطاع الصناعي في الاقتصاد السوري قبل الحرب والذي يعمل فيه مايزيد على ١٥٠ ألف عامل، ساهم نسبياً في الناتج المحلي السوري حيث كانت الصناعة التحويلية تشكل حوالي ٢٣ % من الناتج المحلي ونسبة صادرات القطاع الصناعي حوالي ٥ مليارات دولار سنوياً مع حضور قوي في الصناعات الغذائية والنسيجية والدوائية، لكن بعد سنوات الثورة الممتدة، تراجع هذا الدور بشكل حاد، وبحسب مؤشرات رسمية تشير فإن مساهمة الصناعة في الناتج المحلي انخفضت بشكل كبير حتى وصلت إلى أقل من ١٠ % في السنوات الأخيرة مع تقلص واضح في الإنتاج الصناعي الإجمالي وانكماش ضخ للمنشآت الإنتاجية.

ونوه رحال إلى تراجع الاستثمار في القطاع العام فحسب بيانات رسمية تشير إلى أن الإنفاق الإنمائي على القطاع العام الصناعي انخفض بنسبة تقارب ٩٠ % بين عامي 2010 و 2022، من حوالي 1.43 مليار دولار إلى نحو 148.4 مليون دولار فقط، وهذا الانخفاض الحاد في الاستثمار يشير على أن القطاع فقد دوره كرافد اقتصادي فعال، ما يعكس ضعفاً في التوجه الرسمي نحو دعم الإنتاج.

إضافة إلى ضعف الإنتاجية والتحول التقني فالقطاع العام الصناعي السوري ينظر إليه تقليدياً كقيمة اجتماعية توظيفية لكن على الصعيد الاقتصادي يعاني من خطوط إنتاج قديمة غير قادرة على المنافسة مع ضعف التقانة والتحول الرقمي و هذه العوامل مجتمعة تجعل الإنتاج الصناعي في القطاع العام مستنزفاً للموارد أكثر من كونه منتجاً للقيمة.

القطاع العام الصناعي في ألمانيا الشرقية من التخلف إلى التحول

وأشار رحال إلى أن مايجذب الانتباه في التجربة الألمانية الشرقية هو حجم التغيير الذي حدث في حقبة قصيرة نسبياً بعد سقوط جدار برلين قبل الوحدة، إذ كانت الصناعة في ألمانيا الشرقية تدار وفق نظام اجتماعي- تخطيطي بآلاف الشركات المملوكة للدولة تعرف محليًا باسم olkseigene Betriebe (VEB) وهي شركات عامة كانت تشغل منذ عقود وتدار بنفس منطق التخطيط المركزي.

تفكيك وإعادة هيكلة واسعة عبر “Treuhandanstalt”

بمجرد توحيد ألمانيا في بداية التسعينيات تأسست “Treuhandanstalt” وهي وكالة حكومية ألمانية مكلفة بإعادة هيكلة وخصخصة ما يقارب 8500 شركة صناعية كانت تابعة للدولة الشرقية وكانت توظف أكثر من أربعة ملايين عامل، هذه الوكالة لم تقف عند حدود التشخيص بل بدأت بسرعة في تصنيف هذه الشركات إلى:
شركات قابلة للبيع واستقطاب مستثمرين.
شركات غير قابلة للاستمرار و تتطلب إغلاقاً أو إعادة هيكلة جذرية.
هذه العملية شملت بيعاً أو خصخصة أو إغلاقاً جماعياً ولم يقتصر الأمر على تحول إداري فقط بل كان تغيراً كاملاً في نموذج الملكية والإدارة، ما مكن من إدخال التكنولوجيا الحديثة وتحفيز الإدارة الفعّالة.

ردود الفعل والنتائج على المدى الطويل

وأضاف دكتور رحال أن التحول الذي أحدثته Treuhandanstalt لم يكن خالياً من التحديات فقد واجهت تسريحاً واسعاً للعمال واحتجاجات اجتماعية لكن على المستوى الاقتصادي أسهمت في ربط الشركات بالسوق التنافسي بدل التخطيط المركزي ، وإدخال نظام حوكمة اقتصادي متقدم وإدارة مهنية ، ورفع معدلات الكفاءة والإنتاجية على المدى الطويل و إن لم تكن النتائج في كل الحالات مثالية فقد شكلت نموذجاً لإصلاح قطاع عام غير قابل للحياة في شكله السابق.
فما هي الدروس الاقتصادية الأساسية وماذا يمكن أن تستفيد سوريا؟

الشفافية والبيانات الاقتصادية

في سوريا غياب بيانات إنتاج مفصلة و واضحة عن أداء الشركات العامة يمنع التحليل الموضوعي والتخطيط الاقتصادي الفعال. بالمقابل ألمانيا الشرقية بدأت بإحصاء شامل لكافة الشركات وتقييمها وفقاً لمعايير اقتصادية واضحة.

فصل الإدارة عن السياسية Treuhandanstalt

أظهرت أن فصل الإدارة الاقتصادية عن النسق السياسي والاجتماعي يمكن من اتخاذ قرارات أكثر صرامة وفعالية. في سوريا يظل القرار مرتبطاً أحياناً بمبررات اجتماعية أكثر من كونه اقتصادياً، ما يعوق نمو القطاع العام وتحقيق منافسة حقيقية.

الخصخصة المنظمة مقابل التبعية

ألمانيا استخدمت الخصخصة كأداة لإعادة إدماج الشركات في النظام الاقتصادي العالمي وليس كوسيلة تهدف فقط لتقليص دور الدولة. هذا النهج المدعوم بقواعد واضحة جذب مستثمرين وحفز تطوير خطوط الإنتاج.

الاستثمار في التكنولوجيا والعمالة

بدل التفكير التقليدي في توظيف مزيد من العمالة بغض النظر عن الإنتاجية حيث ركزت التجربة الألمانية على تحديث التكنولوجيا وربطها بالسوق التنافسي ما عزز كفاءة الإنتاج. في سوريا لا يزال هناك تركيز أكبر على التشغيل الاجتماعي بدل ربطه بالنتاج الفعلي وهو ما يعوق النمو الصناعي الحقيقي.
وبحسب رحال فإن التجربة السورية في إدارة القطاع العام الصناعي عكست لعقود مزيجاً من الجمود المؤسسي مع ضعف البيانات وانخفاض الاستثمارات النوعية، ما أدى إلى تراجع إسهام الصناعة في الاقتصاد الوطني وتراجع القدرة التصديرية حتى في الفروع التي كانت تاريخياً قوية مثل النسيج والغذاء. فبينما تبقى البيانات الدقيقة عن كل شركة حكومية غير منشورة علناً فإن الاتجاه العام لتراجع الإنتاج واضح من مؤشرات مساهمة الصناعة في الناتج المحلي.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار