القطاع العام الصناعي.. إلى أين؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ إسماعيل عبد الحي:
مر عام على قرار يقضي بإيقاف الإنتاج في شركات القطاع العام الصناعي معظمها متوقف اليوم عن الإنتاج لعدم توفر مدخلات الإنتاج ولعدم وجود قرار وزاري يلغي ما سلف و”لتقلع من جديد ببيئة عمل مختلفة يفرضها صاحب العمل الجديد.
كان القطاع العام الصناعي ضامناً وحيداً للسوق المحلي وداعماً للطبقة الفقيرة في جميع مناحي حياتهم، رغم معاناة ذلك القطاع من مشكلات كثيرة تتعلق بالتخلف التكنولوجي وتقادم الآلات عدم القدرة على منافسة القطاع الخاص الذي نما بشكل مضطرد، وكان لقدم الآلات -يعود معظمها لأكثر من أربعين عاماً خلت- أثر في تهالك القطاع العام وخساراته، ما خلق ارتفاعاً في كلف الإنتاج مع غياب واضح لمعايير الجودة وصولاً إلى تراكم المخازين وتراجع العوائد والأداء، علماً بأن إجمالي قيمة الإنفاق الاستثماري على عمليات الاستبدال و التجديد في شركات ومعامل القطاع العام الصناعي التابعة لوزارة الصناعة والتي بلغ عددها (117 ) منشأة قبل 15 عاماً من الآن حوالي (12) مليار ليرة أي ما يعادل 240 مليون دولار، وهو مبلغ متواضع مقارنةً بعدد المنشآت المنتشرة على مساحة الوطن، ورغم الحاجة للتطوير واستبدال خطوط الإنتاج والحصول على تكنولوجيا حديثة قادرة على التنافسية إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث.
في بيئة تشريعية بدائية وحدها القرارات الإدارية كانت تكبل القطاع العام الصناعي بقيود وإجراءات تختلف عن العصرية في الخاص، كما أن قوانين السوق من قانون التجارة وقانون الشركات كانت تطبق على الخاص ما تحظره على العام لجهة التشدد بقانون العقود والموازنة وغيره، وفي الوقت نفسه كان يطالبه المسؤولون “حينها” بمنافسة الخاص وتحقيق التفوق عليه في نفس السوق من دون النظر إلى الشروط المتماثلة التي يفترض أن تكون لدى الطرفين، إضافة إلى أن قانون الموازنة العامة للدولة الذي كان يقيد قرار “وزير الصناعة” ولا يعطيه الصلاحية بحرية شراء مولدة كهربائية أو فرن صهر بسيط تعطل فجأة في معمل ما، بل يفرض عليه الحصول على موافقات وقرارات ومراسلات عديدة بهذا الخصوص سوف تؤخر بالطبع العمل، و في هذا الخصوص فإن تنفيذ أي مشروع استثماري وارد ضمن خطة أي شركة صناعية يحتاج إلى 290 يوماً بدءاً من إعداد دفاتر الشروط اللازمة وصولاً لمرحلة التعاقد مع جهة التنفيذ، وفقاً للإجراءات وما هو مطلوب من القطاع العام الالتزام بها، مقارنةً بقدرة القطاع الخاص على اتخاذ القرار بالسرعة الآنية دون التأثر بالظروف المستقبلية.
كان القطاع العام على مدى العقود الماضية يعاني من ضعف الكوادر البشرية المؤهلة بحسب متطلبات سوق العمل والقادرة على إدارة القطاع فنياً و اقتصادياً، حيث كان يبلغ عدد العاملين في وزارة الصناعة قبل الحرب نحو (76) ألف عامل من مستوى تعليمي ضعيف (نحو 75% من العاملين من مستوى الإعدادية ومادون منها نسبة 10% عمالة فائضة، و6% فقط من خريجي الجامعات تحتاج إلى تأهيل .
يكمن التناقض في القطاع العام بأنه يجمع عمالة فائضة في شرائح العمل ذات الفئات الدنيا، وهو يحتاج لعمالة مؤهلة من الفئات العليا، وتقف القوانين عائقاً فهي لا تسمح ولا تعطي المرونة لتعيين الإدارات الكفوءة المؤهلة، ولا حتى المساس بغير الكفء و المؤهل.
مع كل ما تقدم فإن مؤسسات القطاع العام رفدت الخزينـة العامة للدولة خلال الخطة الخمسية العاشرة فقط الممتدة خلال الفترة ( 2006 ولغاية 2010) بمبلغ ( 196 ) مليار ليرة سورية حين كان سعر الدولار خمسين ليرة فقط، موزعة بين ( 56) مليار ليرة سورية فوائض اقتصادية محولة إلى موازنة الدولة و ( 140) مليار ليرة سورية رسوم وضرائب مالية محولة لوزارة المالية، وهذه القيم والمؤشرات هي قيم صافية، بعيداً عن مستلزمات العملية الإنتاجية والنفقات الجارية ورواتب و أجور العاملين المدفوعة لأن هذه النفقات وبحسب قانون الموازنة العامة للدولة لا تظهر في بنود الموازنة وهي تنفق من إيرادات المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي.
كان القطاع الصناعي العام يشغل حوالي ( 75) ألف عامل من فئات مختلفة وهو بذلك يحقق هدفاً اجتماعياً لتأمين معيشة (75) ألف أسرة على الأقل، ويساهم بشكل ما في تخفيف حدة البطالة وتأمين فرص العمل في سوق العمل السورية، كما يشارك في تحريك عجلة الاقتصاد من جهة توريد مستلزمات الإنتاج اللازمة للنشاط الصناعي من قطاعات الزراعة والخدمات في الشركات و المعامل الصناعية، و التخفيف من حدة ارتفاع الأسعار في السوق نتيجة المشاركة في الكميات المعروضة.
اليوم خسائر القطاع الصناعي العام لا يمكن حسابها لضخامتها وفداحة ما أصابها واليوم في ظل تثمير بعض الشركات يبقى السؤال الذي حير الكثيرين ماهو مصير هذا القطاع وما هو مصير العمالة فيه ؟!.

Leave a Comment
آخر الأخبار