الحرية – إلهام عثمان:
في مشهد لافت ومحير، يقف السوريون اليوم على حافة ساعة مصيرية، فمع أول خيوط فجر 31 تموز، ستتحول الأوراق النقدية القديمة التي يحملونها في جيوبهم إلى مجرد قصاصات ورقية تفقد قيمتها القانونية إلى الأبد.
بينما يهرع المئات من الأشخاص في شوارع دمشق والمحافظات، يبحثون عن أي متجر ما زال يمد يده لاستقبال نقودهم، وخاصة الفئات الصغيرة، قبل فوات الأوان، في سباق محموم مع الزمن لا يعرف الفائز فيه إلا بعد أن تدق الساعة الأخيرة.
بين مطرقة البنوك وسندان السوق
في حي القابون، وقفت أم محمد أمام باب محل الخضار، تمد يدها بأوراق نقدية قديمة، لكن البائع هز رأسه رافضاً، حاولت في محلين آخرين، فكان الرد نفسه، تقول: «كانت 450 ألف ليرة مدخراتي الوحيدة، لم أجد من يقبلها، فاضطررت لشراء أشياء لا أحتاجها أصلاً من المحل الوحيد الذي وافق، وذلك خوفاً من أن أخسر قيمتها».
في الجهة الأخرى، يواجه أبو عبدو، صاحب متجر في الزاهرة، مأزقاً مختلفاً، فبعد جمع 11 مليون ليرة من مبيعات الأيام الماضية، وعندما توجه إلى المصرف لاستبدالها، فوجئ بشرط فتح حساب بنكي، يقول: «أنا تاجر بسيط، كل ما أريده أن أستبدل نقودي التي جمعتها بتعب الأيام، لكن الطريق إلى البنك محفوف بالعقبات».
النقل العام يرفض
أما في مشهد آخر يعكس تعقيد الأزمة، حيث كتب معظم سائقي النقل العام «السرافيس» ورقات وعلقت على زجاج سيارتهم تؤكد رفضهم للعملة القديمة.
يقول أبو خالد، سائق على أحد الخطوط: «منذ أسبوع وأنا أرفض الأوراق القديمة، خوفاً من أن أجد نفسي حاملاً نقوداً لا قيمة لها بعد غد»، هذا الرفض المفاجئ حول حياة المواطنين اليومية إلى جحيم، خاصة محدودي الدخل الذين يعتمدون على وسائل النقل العامة في تنقلاتهم.
إجراءات المركزي بين النظرية والتطبيق
بيّن الخبير الاقتصادي براء محمد، في حوار مع «الحرية»، أن قرار مصرف سوريا المركزي نص على أن سحب الأوراق القديمة سيبدأ في 31 تموز ولمدة خمس سنوات، حصراً في مركزه بدمشق، بشرط ألا يقل عدد الأوراق عن 100 ورقة، مع تحويل القيمة إلى حساب مصرفي، هذا الشرط، كما يرى محمد، يحوّل عملية التبديل إلى امتياز لأصحاب الحسابات والمبالغ الكبيرة، بينما يترك الفقراء وأصحاب المدخرات الصغيرة في دائرة الخسارة المحققة.
الأزمة تطول الفئات الأكثر هشاشة
من زاوية اجتماعية، أوضحت الاختصاصية الاجتماعية سلوى سليمان أن هذه الأزمة ليست مجرد إجراء مصرفي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر هشاشة، لافتة إلى أن ربات البيوت، وكبار السن، والعمال اليوميون هم الأكثر تضرراً، لاسيما أن مدخراتهم محدودة، لا تصل إلى 100 ورقة، ولا يملكون حسابات بنكية، ولا يستطيعون أساساً تحمل عناء السفر إلى دمشق.
أزمة تمتد إلى المحافظات
من جهته، أشار الخبير محمد إلى أنه في الحسكة هناك مركز تبديل وحيد في مبنى البريد، ما يسبب طوابير طويلة، وفي محافظات أخرى هناك شح في الفئات الجديدة الصغيرة، ما يضطر التجار للاستمرار بالعملة القديمة، رغم إن صلاحيتها تنتهي غداً، كما لفت محمد إلى أن حصر السحب بمركز واحد في دمشق أثار تساؤلات عن مصير المبالغ الصغيرة في المحافظات البعيدة.
حلول إسعافية
وهنا يقترح محمد حلولاً إسعافية تنقذ الموقف، وهي تمديد مهلة استبدال العملة القديمة بالجديدة لخمسة أيام فعلية أخرى، وذلك لتعويض أيام العطلة، مع إطلاق نوافذ متنقلة في الأسواق في دمشق والمحافظات تعمل حتى المساء لتبديل المبالغ الصغرى، ومن دون تعقيدات حسابات بنكية أو شرط المئة ورقة، على أن تُربط هذه النوافذ بنظام لحظي مع البنك المركزي لمنع التكرار، مع التركيز على توفير فئات جديدة صغيرة لتغذية التداول اليومي، وإعلان القرارات بشفافية فورية لوقف السوق السوداء واستعادة ثقة المواطن بأن المؤسسات تسمعه وتسانده في هذه المعركة مع الزمن.
إجراء تقني لا يكفي
وختم محمد قائلاً: إن حذف الأصفار خطوة محورية، لكن نجاحها مرهون بضبط سعر الصرف ومعالجة التضخم، وإلا قد نقود إلى موجة تضخم جديدة تلتهم ما تبقى من مدخرات المواطنين.
ويبقى السؤال مع حلول الغد: كم من السوريين سيستيقظون صباح 31 تموز ليجدوا أن مدخرات العمر تحولت إلى أوراق تالفة؟ خاصة أن المركزي دعا المواطنين إلى استقاء المعلومات من قنواته الرسمية فقط، مؤكداً أن أبواب الاستبدال ستظل مفتوحة لمن تنطبق عليهم الشروط.