الحرية- لوريس عمران:
يخطو مصرف سوريا المركزي خطوة استراتيجية متقدمة في مسار الإصلاح المؤسسي، تتجاوز في أبعادها مجرد التوظيف التقليدي لتصل إلى مفهوم “الاستثمار في العقول” كأداة لإدارة التحولات الاقتصادية الكبرى.
وقد جاءت التصريحات الأخيرة لحاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، لتضع النقاط على الحروف فيما يخص ملامح الاستراتيجية القادمة للأعوام 2026– 2030، والتي ترتكز في جوهرها على تمكين الشباب المتميز من قيادة مفاصل العمل المصرفي والمالي.
توطين المعرفة وتحديث الهياكل النقدية
وفي هذا السياق أكد الدكتور حسام عيسى خليلو أن توجه المصرف المركزي نحو استقطاب الخريجين الأوائل من كليات الاقتصاد والحقوق والمعلوماتية يمثل استجابة حتمية لمتطلبات العصر الرقمي.
مضيفاً في تصريح لـ”الحرية”: إن دمج هذه التخصصات الثلاثة في بوتقة واحدة يهدف إلى خلق بيئة عمل متكاملة تجمع بين التحليل الاقتصادي الرصين، والغطاء القانوني المحكم، والتمكين التقني المتطور.
ولفت الدكتور خليلو إلى أن الاقتصاد العالمي اليوم لم يعد يعتمد على الوفرة المالية فحسب، بل على سرعة معالجة البيانات ودقة استشراف الأزمات قبل وقوعها، وهو أمر لا يمكن تحقيقه دون دماء جديدة قادرة على تطويع التكنولوجيا لخدمة السياسة النقدية.
حديث ومواكب للتحولات
وفي معرض تحليله لرؤية الحاكم، أوضح الدكتور خليلو أن هذا التوجه يأتي إيماناً مطلقاً بدور الشباب المتفوق في بناء قطاع مالي ومصرفي حديث، مبيناً أن الهدف الجوهري ليس مجرد ملء شواغر إدارية، بل بناء منظومة قادرة على مواكبة التطورات التقنية العالمية وتعزيز الاستقرار المالي.
وأشار الدكتور خليلو إلى أن الكفاءات الوطنية المتميزة، وخاصة من أوائل الخريجين، تمتلك الحافز المعرفي والقدرة على الابتكار، ما يسهم في دعم مسيرة التنمية المستدامة عبر إيجاد حلول غير تقليدية للتحديات الاقتصادية الراهنة، إضافة إلى بناء جسور من الثقة بين المؤسسة النقدية والمجتمع الاقتصادي.
الريادة في رسم السياسات والرقابة المصرفية
وبين الدكتور خليلو أن رؤية المصرف المركزي المستقبلية تجعل من الاستثمار في العقول الشابة ركيزة أساسية لا تقبل التأجيل، مبيناً أن هذا الالتزام بتوفير بيئة عمل محفزة يتيح للكوادر الواعدة الإسهام الفعال في رسم السياسات النقدية والرقابية، وصناعة مستقبل أكثر كفاءة وابتكاراً، مؤكداً أن إشراك خريجي الحقوق، على سبيل المثال، يضمن تحديث التشريعات المصرفية لتلائم الابتكارات المالية، بينما يضمن خريجو المعلوماتية تأمين البنية التحتية ضد الهجمات السيبرانية وضمان سلاسة الدفع الإلكتروني، وهو ما يصب في نهاية المطاف في مصلحة الاقتصاد الكلي.
الخلاصة والرؤية الاستشرافية
وفي ختام حديثه لفت الخبير الاقتصادي إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية الطموحة مرهون بقدرة المؤسسة على استيعاب هذه الطاقات وتحويلها إلى قوة فاعلة على أرض الواقع، مشيراً إلى أن مصرف سوريا المركزي، من خلال هذا البرنامج، يؤسس لمرحلة جديدة من المهنية المؤسسية التي تجعل من التميز العلمي المعيار الوحيد للارتقاء الوظيفي.
إن هذه الخطوة، كما بين الدكتور خليلو، هي الضمانة الأكيدة لتحقيق سيادة نقدية قائمة على المعرفة والابتكار، بما يضمن استقرار الليرة السورية وتعزيز الإنتاجية الوطنية في المدى المنظور.