المشاريع الصغيرة.. الحل الأسرع لتحريك الاقتصاد السوري

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

الاقتصاد السوري اليوم لا يمكن أن ينتظر الاستثمارات الكبرى ما يحتاجه هو أدوات سريعة تخلق فرص عمل فوراً، والمشاريع الصغيرة هي الأكثر قدرة على ذلك.

بهذه الخلاصة المباشرة يحدد الخبير  الاقتصادي في القيادة والإدارة الدكتور  منير خليفة، نقطة الانطلاق الواقعية لأي حديث عن التعافي الاقتصادي في سوريا.

في بلد ما زال يعاني من فجوة واضحة في سوق العمل وتراجع في النشاط الإنتاجي، لم يعد النقاش يدور حول أهمية إعادة الإعمار، بل حول كيفية البدء فعلياً. وهنا تبرز المشاريع الصغيرة والمتوسطة كخيار لا يرتبط بالتنظير، بل بالقدرة على إحداث أثر ملموس خلال وقت قصير، خصوصاً في بيئة اقتصادية تبحث عن نتائج سريعة لا عن وعود مؤجلة.

فجوة العمل.. التحدي الأكثر إلحاحاً

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدلات البطالة في سوريا بقيت عند مستويات مرتفعة خلال سنوات الأزمة، بالتوازي مع تراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية، ما أدى إلى تقلص فرص العمل واتساع الضغوط المعيشية.

هذا الواقع، وفق خليفة، لا يمكن التعامل معه عبر مشاريع تحتاج سنوات حتى تؤتي نتائجها، موضحاً “أي تأخير في خلق فرص العمل يعني استمرار حالة الركود، لذلك يجب التركيز على القطاعات القادرة على التشغيل السريع.

ولا تتوقف المشكلة عند حدود البطالة، بل تمتد إلى تراجع القوة الشرائية، ما يخلق حلقة مفرغة فضعف الدخل يؤدي إلى ضعف الطلب، ما ينعكس بدوره على الإنتاج، ويعيد تكريس حالة الجمود الاقتصادي.

لماذا المشاريع الصغيرة تحديداً؟

بعكس المشاريع الكبرى، لا تحتاج المشاريع الصغيرة إلى: رؤوس أموال ضخمة أو بيئة استثمارية معقدة وفترات انتظار طويلة بل تعتمد أساساً على الموارد المحلية والطلب المباشر داخل السوق، ما يجعلها أكثر قدرة على التكيف مع الظروف الاقتصادية المتغيرة.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة توفر ما بين 60 إلى 70% من فرص العمل في العديد من الاقتصادات، ما يجعلها الأداة الأكثر تأثيراً في معالجة البطالة.

ويعلق خليفة عندما يكون الهدف هو تحريك السوق بسرعة، فإن المشاريع الصغيرة تكون الخيار الأكثر فاعلية لأنها تبدأ فوراً وتخلق دخلاً مباشراً.

بين سرعة الأثر وبطء النتائج

المشكلة في الاعتماد على الاستثمارات الكبرى حالياً ليست في أهميتها، بل في الزمن الذي تحتاجه.

هذه المشاريع، رغم دورها الاستراتيجي، تتطلب: استقراراً طويل الأمد وتمويلاً كبيراً ووقتاً قبل أن تنعكس على حياة المواطنين وهو ما يفسر، بحسب خليفة، محدودية تأثيرها في المرحلة الحالية:

المشاريع الكبرى ضرورية، لكنها لا تعالج المشكلة الآنية، وهي ضعف القدرة على خلق فرص العمل بسرعة.

تحريك الاقتصاد من الداخل

الميزة الأهم للمشاريع الصغيرة أنها تعمل من داخل الاقتصاد نفسه، ما يعني تنشيط الإنتاج المحلي وتلبية الطلب اليومي وتقليل الاعتماد على الاستيراد وهذا ينعكس بشكل غير مباشر على استقرار السوق، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجه العملة، حيث يسهم تعزيز الإنتاج المحلي في تخفيف الطلب على القطع الأجنبي.

ويؤكد خليفة أن إعادة تشغيل الإنتاج المحلي، حتى بمستويات محدودة، تساهم في تحريك السوق بشكل تدريجي .

أثر يتجاوز الاقتصاد

لا يقتصر دور المشاريع الصغيرة على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي.

فمع كل مشروع صغير يبدأ، تتولد فرصة دخل جديدة، ما ينعكس على : تحسين مستوى المعيشة وتقليل معدلات الفقر

وتعزيز الاستقرار داخل المجتمع ومع تكرار هذه الحالة على نطاق واسع، يتحول الأثر الفردي إلى حالة عامة تدعم التعافي.

كما يوضح خليفة: أن الاستقرار الاجتماعي يرتبط بشكل مباشر بقدرة الأفراد على تأمين دخل مستدام، وهذا ما توفره المشاريع الصغيرة بشكل أسرع من غيرها.

التعافي يبدأ من العمل.. لا من المشاريع الكبرى

التجارب الاقتصادية تشير بوضوح إلى أن التعافي لا يبدأ من أعلى الهرم، بل من قاعدته.

أي من تشغيل الأفراد ورفع الدخل

وإعادة دوران المال داخل السوق

وفي هذا الإطار، يقول خليفة:

لا يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي دون إعادة الناس إلى العمل، وهذا ما تحققه المشاريع الصغيرة بشكل مباشر.

ما المطلوب اليوم؟

رغم أهمية هذا القطاع، إلا أن قدرته على إحداث الفرق ترتبط بوجود بيئة داعمة، تشمل تسهيل الإجراءات وتأمين تمويل ميسر ودعم الإنتاج المحلي وتدريب رواد الأعمال.

كما أن توجيه الدعم نحو القطاعات الإنتاجية، وليس الاستهلاكية فقط، يشكل عاملاً حاسماً في تحقيق نتائج مستدامة، بدلاً من حلول مؤقتة.

في ظل التحديات الحالية، لا يبدو أن التعافي الاقتصادي في سوريا سيبدأ من المشاريع الكبرى التي تحتاج وقتاً طويلاً، بل من تلك الصغيرة التي تستطيع أن تعمل الآن، وتخلق أثراً فورياً في السوق.

كما يختصرها الدكتور منير خليفة المشاريع الصغيرة والمتوسطة ليست خياراً ثانوياً، بل هي المدخل الأسرع لإعادة تحريك الاقتصاد السوري.

في لحظة كهذه، لا يكون السؤال عن حجم المشاريع،بل عن قدرتها على البدء… الآن.

Leave a Comment
آخر الأخبار