المشاريع الصغيرة في سوريا بين الإهمال والضغط

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

في كل مرة يُغلق فيها مشروع صغير أبوابه، لا يُسجَّل الحدث في البيانات الاقتصادية بوصفه خسارة وطنية، بل يُختصر غالباً في خانة فشل فردي.
غير أن تكرار الظاهرة، واتساع رقعتها، وتحولها إلى نمط شبه دائم، يفرض سؤالاً أعمق:
هل المشكلة في أصحاب هذه المشاريع، أم في البيئة التي تعمل داخلها؟
تشكل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في معظم الاقتصادات المستقرة العمود الفقري للإنتاج وفرص العمل، والحاضنة الطبيعية للطبقة الوسطى، لكن في الواقع السوري، ما تزال هذه المشاريع تتحرك في مساحة رمادية، لا تحظى بالدعم الكافي، ولا تتمتع بالحماية اللازمة، ولا تُعامل بوصفها أولوية تنموية حقيقية.

بين الخطاب الرسمي والواقع

نظرياً، تحضر المشاريع الصغيرة والمتوسطة بقوة في الخطاب الاقتصادي، بوصفها أداة لخفض البطالة وتنشيط السوق.
أما عملياً، فيواجه أصحابها سلسلة من التحديات المتراكمة، أبرزها: صعوبة الوصول إلى التمويل بشروط واقعية، كلف تشغيل مرتفعة لا تتناسب مع حجم المشاريع، تشريعات موحدة لا تميز بين الصغير والكبير، و منافسة غير متكافئة مع كيانات تمتلك قدرة أعلى على التحمل.
هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يضع هذه المشاريع في موقع هش، ويجعل استمراريتها مرتبطة بالقدرة على الصمود الفردي، لا بوجود منظومة اقتصادية داعمة.

دعم المشاريع الكبرى… ضرورة أم اختلال؟

لا خلاف على أهمية المشاريع الكبرى في القطاعات الاستراتيجية، كالبنى التحتية أو الصناعات الثقيلة، غير أن الإشكالية تظهر حين يتحول هذا الدعم إلى مسار شبه وحيد، لا يوازيه تمكين فعلي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وفي هذا السياق، يقول الخبير والمدرب في التنمية البشرية مهند الحمادي لـ”الحرية” إن الاقتصاد المتوازن لا يقوم على إقصاء طرف لصالح آخر، بل على توزيع الأدوار وضبط العلاقة بين المشاريع الصغيرة والكبيرة، محذراً من أن ترك المشاريع الصغيرة لمواجهة السوق وحدها يولد اختلالاً تدريجياً في بنية السوق، ينعكس تراجعاً في المنافسة وتقلصاً في فرص العمل وتآكلاً في الطبقة الوسطى.

قضية اجتماعية بامتياز

لا يمكن التعامل مع المشاريع الصغيرة والمتوسطة بوصفها ملفاً اقتصادياً تقنياً فقط، فهي تمسّ بشكل مباشر الاستقرار الاجتماعي، فكل مشروع صغير ناجح يعني دخلاً مستقراً لأسرة.
وفي المقابل، كل مشروع يُغلق يضيف عبئاً جديداً على سوق العمل، ويغذّي الاقتصاد غير المنظم، ويعمّق الإحساس بعدم الأمان الاقتصادي.

يرى الحمادي أن تحميل المشاريع الصغيرة مسؤولية تعثرها هو تبسيط مخلّ للمشهد الاقتصادي، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في ضعف المبادرة أو قلة الرغبة في العمل، بل في بيئة تشغيل غير متوازنة.
ويضيف: «حين يُطلب من مشروع صغير أن يلتزم بذات الأعباء الضريبية والإدارية المفروضة على مشروع كبير، فنحن عملياً ندفعه نحو الهشاشة أو الإغلاق».
كما يشير إلى أن غياب الحماية الاجتماعية للعاملين في هذه المشاريع يزيد من هشاشتها، محذراً من أن أي اقتصاد لا يحمي مشاريعه الصغيرة، يغامر باستقراره الاجتماعي على المدى المتوسط.

الحاجة إلى مقاربة مختلفة

ويؤكد الحمادي أن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لا يعني إعفاءات مطلقة أو تسهيلات غير مدروسة، بل يتطلب سياسات تمويل تتناسب مع طبيعة هذه المشاريع ونظاماً ضريبياً تدريجياً يراعي الحجم والقدرة وتشريعات مرنة تشجع على الاستمرار لا الانسحاب، وتعزيز دور النقابات وحماية حقوق العاملين.
هذه المقاربة لا تضر بالمشاريع الكبرى، بل تعيد التوازن إلى السوق، وتمنع تمركز القوة الاقتصادية في يد فئة محدودة.

سؤال التنمية المؤجل

في مرحلة يُعاد فيها الحديث عن التعافي وإعادة البناء الاقتصادي، يبرز سؤال أساسي:
هل يُراد للاقتصاد أن ينمو من الأعلى فقط، أم من القاعدة أيضاً؟
إن تمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة لا يشكل عبئاً على الدولة، بل استثمار في الاستقرار والعدالة واستدامة النمو.
فاقتصاد بلا طبقة وسطى، هو اقتصاد مهدد بالتآكل من الداخل.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار