الحرية ـ سراب علي:
أشار عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، الدكتور عبد الهادي الرفاعي، في تصريح خاص لـ”الحرية”، إلى أن قرار إعادة فتح حساب مصرف سوريا المركزي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يحمل دلالات متعددة المستويات، تتراوح بين الآنية والاستراتيجية بعيدة المدى.
استعادة القدرة على إدارة الاحتياطيات
وفي تحليله للدلالات المباشرة لهذه الخطوة، أوضح الرفاعي أنها تسهم بإنهاء العزلة المالية الكبرى، حيث يُعد إعادة فتح الحساب بمثابة اعتراف باستيفاء سوريا للشروط الفنية والقانونية التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي، لا سيما في مجالي مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ما ينهي فعلياً أقسى مراحل العزلة عن النظام المصرفي العالمي.
د.الرفاعي: استقرار تدريجي لليرة مرهون بإصلاحات مؤسسية وتحذير من مخاطر الاندماج السريع
كما تساهم في استعادة القدرة على إدارة الاحتياطيات، حيث بات بإمكان المصرف المركزي الآن إدارة احتياطياته من العملات الأجنبية بكفاءة عبر قنوات نظامية، بدلاً من الاعتماد على طرق غير مباشرة ومكلفة فرضتها سنوات العزلة.
بالإضافة إلى تسهيل المدفوعات الدولية ما يتيح للمصرف المركزي تنفيذ وتسوية التحويلات والمدفوعات الدولية بصورة مباشرة وآمنة، وهو شرط أساسي لانطلاق أي نشاط تجاري أو استثماري خارجي حقيقي.
استقرار بصورة تدريجية
وفيما يتعلق بتأثير القرار على سعر الصرف توقع الرفاعي أن ينعكس إيجاباً على استقراره، ولكن بصورة تدريجية وغير مباشرة، وليس على شكل صدمة فورية، وأرجع ذلك إلى ثلاث آليات:
أولاً تعزيز الثقة: من شأن القرار أن يعزز ثقة المواطنين والمستثمرين في السياسات النقدية وفي الليرة السورية، ما يسهم في كسر حالة “الهروب من العملة الوطنية” التي تغذي الطلب على الدولار.
ثانياً زيادة المعروض من القطع الأجنبي: إن تسهيل دخول تحويلات المغتربين والاستثمارات الخارجية عبر القنوات الرسمية سيرفع المعروض من الدولار في السوق المنظمة، ما يخفف الضغط على السوق الموازية.
ثالثاً تراجع التضخم: وفقاً إلى تقارير صندوق النقد الدولي التي تؤكد أن تبني سياسات نقدية صارمة ووقف تمويل العجز إلى جانب هذه الخطوة يساهم في استمرار تراجع معدلات التضخم، وهو ما يعزز استقرار سعر الصرف على المدى المتوسط.
وأضاف الرفاعي: البيانات تشير إلى استقرار نسبي وتحسن طفيف في سعر الصرف، حيث بلغ الدولار في النشرة الرسمية 11,000 ليرة للعملة القديمة (110 للجديدة) في 2 آذار 2026، وهو قريب من مستويات منتصف شباط.
التغييرات في أداء المصارف المحلية
أوضح الرفاعي أن المصارف (العامة والخاصة) بحاجة لتغييرات جوهرية لمواكبة الانفتاح، أبرزها تحديث البنية التحتية التقنية للربط مع أنظمة المدفوعات العالمية والتعامل بالعملات الأجنبية بكفاءة وأمان إلكتروني، وتعزيز معايير الامتثال ومكافحة غسل الأموال وفق المعايير الدولية، وتأهيل الكوادر البشرية بعد الفجوة التي أنشأتها العزلة في المهارات والمعرفة بالمنتجات والممارسات المصرفية الدولية، إضافة إلى توسيع قاعدة رأس المال عبر اندماجات أو شراكات مع مستثمرين استراتيجيين تحت إشراف دقيق من المركزي.
المخاطر المتوقعة من الاندماج السريع
وحذر الرفاعي من مخاطر الانفتاح المفاجئ في ظل استقرار محلي لايزال مؤقتاً أو جزئياً، منها صدمة المنافسة من السلع المستوردة الرخيصة التي تقضي على الإنتاج المحلي، وكذلك خطر تركز الاستثمارات في القطاعات الريعية بدلاً من الإنتاجية، إضافة إلى الضغط على ميزان المدفوعات بسبب ارتفاع الواردات بشكل أسرع من قدرة الصادرات على النمو ، وعدم كفاية القوانين الحالية لتنظيم الاستثمارات الجديدة وحماية الاقتصاد من الممارسات الاحتكارية، ناهيك عن أن البنية المؤسساتية لاتزال هشة وغير قادرة على استيعاب حجم النشاط المتوقع بسرعة.
وبين عميد الكلية أن الخطوة المنطقية التالية بعد تسوية العلاقة مع الفيدرالي هي إعادة الربط الكامل بمنظومة المدفوعات الدولية “سويفت” (SWIFT) هذا الهدف صرّح به المسؤولون سابقاً كأولوية .
لافتاً إلى أن إعادة الربط مع “سويفت” هي التي ستمكن المصارف التجارية السورية (وليس المركزي فقط) من إجراء تحويلاتها الدولية بشكل مباشر، ما ينهي اعتمادها على وسيط أو مراسلين بشكل كامل ويخفض تكاليف التحويل ويزيد سرعته.
استمرارية الخطوات المؤسسية
بالتوازي مع ذلك يشير الرفاعي إلى أن هناك خطوات مؤسسية كبرى يجب أن تستمر:
منها تفعيل برنامج التعاون مع صندوق النقد الدولي إذ إنه وبحسب تقرير صندوق النقد في 25 شباط 2026، هناك “برنامج تعاون مكثف” يمتد حتى 2030 يركز على إصلاح المالية العامة، وتطوير السياسة النقدية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحسين الإحصاءات تمهيداً لاستئناف “مشاورات المادة الرابعة”، هذا البرنامج هو خارطة الطريق الفعلية للتعافي المالي المستدام، وكذلك إصدار وتفعيل التشريعات الجديدة: مثل قانون الاستثمار الجديد وقانون الضريبة الجديد، مع ضمان تطبيقها بشفافية وحوكمة لجذب الاستثمارات النوعية، إضافة إلى التركيز على القطاعات الأكثر جاهزية لناحية توجيه الدعم والاستثمارات نحو قطاعات يمكنها التعافي بسرعة نسبياً (مثل جزء من الصناعات التحويلية، الطاقة الكهربائية، بعض الزراعات)، لخلق نمو ملموس وفرص عمل قبل الانتقال إلى المشاريع الكبرى .
خطوة ضرورية ولكن غير كافية
وختم الرفاعي حديثه بالقول: إن إعادة فتح الحساب لدى الفيدرالي هي خطوة ضرورية لكنها غير كافية، فهي تفتح الباب على مصراعيه أمام فرص كبيرة، ولكنها في الوقت نفسه تضع الاقتصاد الهش أمام اختبارات صعبة، فالنجاح في المرحلة المقبلة سيعتمد على قدرة الحكومة والمصرف المركزي على إدارة هذا الانفتاح بوتيرة مدروسة، وبناء المؤسسات بالتوازي مع تحرير الأسواق، وضمان أن يعود التعافي المالي بالنفع على القاعدة الإنتاجية والمواطن السوري، وليس فقط على نخبة محدودة.