الحرية – حسام قره باش:
رغم التعثر والضغط الكبير على الأبحاث العلمية والمختبرات خلال فترة حكم النظام المخلوع، لاتزال سوريا تحتفظ بنشاط بحثي ملحوظ في مجال التقانة الحيوية وتقانات النانو خاصة في المجالات الأقرب لاحتياجات الناس اليومية كالزراعة والغذاء.
دول عديدة أصبحت رائدة في مجال تكنولوجيا النانو لأهميتها الاقتصادية الفائقة في الزراعة والصناعة وغيرها، فأين سوريا من هذه التكنولوجيا اليوم؟
باحث زراعي: ضرورة الانتقال من الورقة العلمية إلى الإنتاج ووضع البحث في خدمة الاقتصاد مباشرة
الصورة العامة
الباحث في التقانات الحيوية والبحوث العلمية الزراعية الدكتور ينال القدسي، يلخص في حديثه لـ”الحرية” الشكل العام لهذه الأبحاث التي تنجز وتنشر وتترجم أحياناً عملياً إلى تجارب حقلية، غير أن تجربة الانتقال إلى منتج واسع في السوق لايزال محدوداً لضعف التمويل والبنية التحتية والشراكات الصناعية
النانو الزراعي
الدكتور القدسي يرى أن الجزء الأكثر نضجاً وقابلية للتطبيق اليوم، يتركز في التقانة الحيوية الزراعية لأن مسارها من المختبر إلى الحقل واضح من خلال النتائج المحققة في زيادة الإنتاجية وتحسين النوعية وتقليل الآفات المرضية وتحقيق الربحية للمزارع.
ويتابع تصريحه: تتقدم تقنيات النانو بحثياً بشكل جيد خاصة في مجال النانو الزراعي، لكنها خطوة ناقصة تحتاج لأن تتحول إلى التصنيع ومعايير الجودة والتوزيع.
ففي المجال الزراعي، يؤكد القدسي أن إحدى الخطوات التي تحظى بأهمية بالغة، هي زراعة الأنسجة النباتية لإنتاج بذار وشتول عالية الجودة وخالية من الأمراض، وهذا المجال لا يعامل كبحث نظري فقط، حيث ظهرت دراسات اقتصادية مقارنة تثبت أن ارتفاع تكلفة بذار الأنسجة يمكن تعويضه عبر إنتاجية أعلى وربح أفضل، ما يجعلها تقنية مقنعة للمزارع حين تتوفر منظومة اعتماد وجودة وتسويق.
وتطرق القدسي في حديثه إلى تطبيقات النانو الزراعي أيضاً في مجال تصنيع الأسمدة مضبوطة التحرر أو البطيئة، إذ يدرس استخدام خامات محلية مثل (حجر الزيوليت) بعد طحنه وتعديله لحمل العناصر المغذية وتحريرها تدريجياً، منوهاً بالجدوى الاقتصادية من ذلك من خلال تقليل فاقد السماد ورفع كفاءة التسميد وخفض التكلفة على المدى المتوسط واعطاء قيمة مضافة لمواد خام محلية متوفرة عندنا.
وأشار كذلك إلى تجارب حقلية في الرش الورقي المعتمد على استخدام مغذيات دقيقة نانوية مثل (الحديد النانوي) على بعض المحاصيل البستانية لتحسين الإنتاج والصفات النوعية وتقليل أعراض نقص العناصر.
ويضيف: تظل المخصبات الحيوية (كالتلقيح بكائنات نافعة أخرى) بديلاً أو مكملاً يقلل الاعتماد على الأسمدة المعدنية عندما تبنى المنتجات على سلالات محلية مع ضبط جودتها.
ماذا عن الصناعة؟
ووفقاً للباحث ينال القدسي، يشدد على أن الزراعة حالياً هي الرافعة الأسرع لإظهار الأثر الملموس مقارنة بالصناعة رغم وجود توجه بحثي واهتمام أكاديمي في تطبيقات النانو والبيوتكنولوجيا، لكن تحويل النتائج إلى منتجات صناعية يصطدم بمتطلبات إضافية من خطوات تجريبية صناعية وتوثيق الجودة والمواصفات وضمان التسويق والاستثمار.
حبيسة الأدراج
وفي رده على سؤال، هل تبصر أبحاث التقانات الحيوية النور في سوريا أم أنها تُجمد وتبقى رهينة الوقت والتمويل لتطبيقها على أرض الواقع؟
يجيب القدسي: هناك أبحاث وصلت إلى تجارب حقلية ودراسات اقتصادية، وهذا بحد ذاته خروج من الأدراج، إنما المشكلة أن الكثير من المشاريع تقف عند نهاية الورقة العلمية بدلاً من تحولها لبداية المنتج.
وقال للحرية: الفجوة ليست في الأفكار فقط، بل في الحلقة التي تربط البحث بالسوق وحاجته إلى التمويل التطبيقي والشراكات والتصنيع والاعتماد.
صعوبات تعيق التوسع
يجمل القدسي معوقات أبحاث التقانات الحيوية في ضعف التمويل المستدام والمواد المستهلكة والصيانة والمعايرة وضعف نقل التكنولوجيا وقلة الحاضنات ومكاتب الربط مع القطاع الخاص واستنزاف الكفاءات في هذه التخصصات، إضافة إلى صعوبات توريد الكواشف والقطع ومواد التحليل ما يبطئ التجارب ويرفع تكلفتها.
التركيز القادم
ينبغي أن تتوجه الأولوية في إحداث أثر سريع وملموس لإنتاج مشاريع قريبة من السوق كتوسيع برامج البذار والشتول عالية الجودة واختيار تركيبات محددة من الأسمدة النانوية وتحويلها إلى منتج معياري بتجارب متعددة المواقع حسب رأيه.
واختتم حديثه بالقول: تمتلك سوريا قاعدة بحثية حقيقية في التقانة الحيوية والنانو وبعضها أثبت نفسه في الحقل والحساب الاقتصادي الواعد، إنما نحتاج في المرحلة القادمة للانتقال من الورقة العلمية إلى الإنتاج عبر شراكات وتجارب موسعة وتمويل تطبيقي يضع البحث في خدمة الاقتصاد مباشرة.