الحرية- د. رحيم هادي الشمخي:
إنه أول من نظم الشعر، وأسس لشكل القصيدة العربية، وأول من بكى على الأطلال، أول من شبّه، هكذا يقول الجاحظ عن امرئ القيس حوالي (130-80 ق.م.هـ)، إذاً فله في المكانة ريادة التأسيس، وفتح الآفاق لمن جاؤوا من بعده، غير ثمة مدخل رئيسي للنفاذ إلى شعره.
صحيح أن حياته مأساوية، فهو ابن من سُلب ملكه، وهو ابن مغضوب عليه من والده لتهتكه وحبه المجون، وسعيه إلى الملذات، لكن عندما توفى والده راح يسعى إلى القبائل ليؤلبها على من اغتصبوا ملك أبيه، فلم يجد إلا خذلاناً، لذلك سمي بالملك الضليل، وانتهى به الأمر إلى اللواذ بقيصر الروم الذي أهداه حلة مسمومة قضت عليه، فمضى غريباً، فرداً، تماماً كما جاء أول مرة.
غير أن ثمة حساً مأساوياً بجوهر الكون وسر الوجود غير المدرك كان يشغله، وبقدر ما كان يمعن في تفاصيل الحياة ويصفها باقتدار شاظف بقدر ما كان يحاول فهم الكليات، من هنا كان إحساسه العميق بمأساوية التغيير، لا شيء يبقى، لا شيء يظلّ على حاله، إنه الزمن الذي يطوي، الذي يقهر، الذي يحوّل العامر إلى طلل، حتى العواطف الإنسانية ينالها التبدل والتغيير، أما السعادة فتولي كالأطياف المستعصية على الرؤية، من هنا كان البكاء على الأطلال، ليس ما تبقى من المكان، لكن ما تبقى من أوقيات تلك القوة القاهرة التي تحتضن الحياة والموت والشباب والهرم واللقاء والبعد، والإقامة والرحيل، الممكن والمستحيل.
ورغم كل المباهج لا يبقى في النهاية إلا طلل الوقت، يقول شاعرنا امرؤ القيس في هذه (الطلل) من قصيدته (تبدل):
أرى أمّ عمرو دمعها قد تحدرا
بُكَاءً على عَمرٍو وَمَا كان أصْبَرَا
إذا نحن سرنا خمسَ عشرة ليلة
وراء الحساءِ من مدافع قيصرا
ويعبر الشاعر بأحاسيسه الجميلة في قصيدة (كِمدْ) فيقول:
مِن هنا لي مِن صَدِيقٍ فَلْيَعُدْ
لِيَعُدْني إِنَّنِي اليومَ كَمِدْ
مِن خُطُوبٍ تَرَكَتْنِي قَلِقًا
قَلَقَ المِحْوَرِ بالكَتِّ المَسَدْ
وهو جالس على فراشه في الصحراء يعبر الشاعر الضليل عن شجونه وأحزانه في قصيدة (تضيءُ الفراش) قائلاً:
ألا عِمْ صباحاً أيها الطلل البالي
وهلْ يَعِمنْ من كان في العصر الخيالي
وهل يَعِمنْ إلا سعيدٌ مخلد
قليل الهموم ما يبيتُ بأوجال
ويتغنى شاعرنا امرئ القيس في قصيدة (هزة الروع):
فَبِتنا تَصُدُّ الوَحشُ عَنّا كَأَنَّنا
قَتيلانِ لَم يَعلَم لَنا الناسُ مَصرَعا
تُجافي عَنِ المَأثورِ بَيني وَبَينَها
وَتُدني عَلَيَّ السابِرِيَّ المُضَلَّعا
وحول ملاذه ونشوة حياته التي عاشها قبل رحيله من ديرته يذكرنا في قصيدة (اياب) بهذه الأبيات:
أَرانا موضِعينَ لِأَمرِ غَيبٍ
وَنُسحَرُ بِالطَعامِ وَبِالشَرابِ
وَكُلُّ مَكارِمِ الأَخلاقِ صارَت
إِلَيهِ هِمَّتي وَبِهِ اِكتِسابي
امرؤ القيس كان يمثل في حياته الشعرية أنموذج الشاعر الحزين المتواضع الذي مازالت آثاره الشعرية في قصائده الأخرى مثل قصيدة (سحق) و(ليل التمام) و(المعلقة) و(احراض) و(جَرح) و(حاجة) و(ود آخر) و(عبرات) و(قبيل الموت) التي قال فيها:
ألا أبْلِغْ بَني حُجْرِ بنِ عَمْرٍو
وَأبْلِغْ ذلِكَ الحَيَّ الحَدِيدَا
بِأنِّي قَدْ هَلَكْتُ بِأرْضِ قَوْمٍ
سَحِيقاً مِن دِيَارٍكُمُ بَعِيدا
أُعالِجُ مُلْكَ قَيْصَرَ كُلَّ يَوْمٍ،
وأًجْدِرْ بِالمَنِيّةِ أنْ تَقُودا
بِأرْضِ الشّأمِ لا نسَبٌ قَرِيبٌ
ولا شافٍ فَيُسْنِدَ أوْ يَعُودا
أكاديمي وكاتب عراقي