الحرية-مها يوسف:
يمثل انسحاب الولايات المتحدة من عشرات الاتفاقيات والمنظمات الدولية تحولاً بنيوياً في مسار النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يقتصر هذا التحول على السياسة الخارجية الأمريكية، بل يمتد ليطال موازين القوة الجيو-اقتصادية، ومستقبل العولمة، وشكل النظام الدولي القادم.
من بريتون وودز إلى تفكيك العولمة
وفي هذا السياق يؤكد الدكتور زياد أيوب عربش، أستاذ جامعي ومستشار اقتصادي في جامعة دمشق، أن انسحاب الولايات المتحدة من 66 اتفاقية ومنظمة دولية، من بينها اتفاقيات المناخ والطاقة والتجارة والتنمية، يمثّل خطوة جذرية تعبّر عن نزعة قومية متطرفة، وتفتح المجال أمام إعادة تعريف الدور الأمريكي في النظام الدولي، وضمن هذا الإطار، يطرح هذا المسار تساؤلاً مركزياً حول ما إذا كانت واشنطن تُنهي بنفسها النظام الليبرالي الذي قادته لعقود، أم أنها تحاول إعادة صياغته بأدوات مختلفة.

ويضيف الدكتور عربش أن هذا التحول لا يمكن فصله عن مسار تاريخي طويل بدأ بفرض الدولار كعملة احتياط عالمية عقب اتفاقية بريتون وودز عام 1945، مروراً بتعليق قاعدة الذهب عام 1973، وصولاً إلى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1989، إذ شكّلت هذه المحطات، مجتمعة، ركائز الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، بينما يبدو الانسحاب الراهن بمثابة ضربة مباشرة للأسس ذاتها التي قامت عليها العولمة التي صاغتها الولايات المتحدة.
الانكفاء القومي ومواجهة الشرق
ويرى الدكتور عربش أن شعار «أمريكا أولاً» لا يعكس قوة استراتيجية بقدر ما يكشف عن قلق بنيوي من فقدان الهيمنة، لا سيما في ظل الصعود المتسارع للصين وروسيا، واحتمال انضمام قوى أخرى مثل الهند إلى محور اقتصادي وسياسي منافس. ومع تزايد هذه الضغوط، لم تعد محاولات تطويق هذا الصعود عبر العقوبات أو الضغوط السياسية كافية لضمان استمرار السيطرة الأمريكية على النظام الدولي.
ويشير الدكتور عربش إلى أن السياسات الأمريكية الأخيرة، من الضغط على فنزويلا إلى إعادة عسكرة المواقف تجاه الخصوم، تتماشى مع محاولة الحفاظ على مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، إلا أن هذه المقاربة تنطوي على نتائج عكسية محتملة على المدى المتوسط والطويل.
العزلة الجيوسياسية وفقدان النفوذ
يؤكد الدكتور عربش أن الانسحاب من المنظمات الدولية يخلق فراغاً استراتيجياً واسعاً في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب والتكنولوجيا والمناخ، وغياب الولايات المتحدة عن هذه المنصات يضعف قدرتها على التأثير في صياغة القواعد الدولية، ويفسح المجال أمام قوى منافسة لملء هذا الفراغ.
ويحذر من أن هذا التراجع ينعكس مباشرة على استقرار التحالفات التقليدية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي، في وقت تتصاعد فيه النزاعات بالوكالة في أوكرانيا والشرق الأوسط وإفريقيا.
كما أن فقدان التنسيق الدولي في مواجهة التهديدات الهجينة، مثل الهجمات السيبرانية والإرهاب العابر للحدود، يجعل النظام الدولي أكثر هشاشة.
التخريب الجيو-اقتصادي الذاتي
يوضح الدكتور عربش أن الانسحاب من مؤسسات الطاقة المتجددة والمناخ يفرض كلفة اقتصادية مرتفعة على الولايات المتحدة نفسها. إذ إن فقدان القيادة في التحول نحو الطاقة النظيفة يعني خسارة حصص سوقية، وتراجع القدرة التنافسية، وتهديد ملايين الوظائف في قطاعات التكنولوجيا الخضراء.
وفي المقابل، تظهر المؤشرات أن الصين التي تهيمن على سلاسل توريد الألواح الشمسية والبطاريات، والاتحاد الأوروبي عبر سياساته البيئية، هما المستفيدان الرئيسيان من هذا الانسحاب.
كما بدأت ولايات أمريكية كبرى البحث عن مسارات مستقلة للتعاون المناخي، ما يعمّق الانقسام الداخلي ويضعف وحدة القرار الاقتصادي.
الدولار والتجارة العالمية
يرى الدكتور عربش أن الخروج من مؤسسات التجارة والتنمية يضعف قدرة الولايات المتحدة على التأثير في معايير التجارة الدولية والاقتصاد الرقمي، ويعجّل بذلك تآكل مكانة الدولار، خصوصاً مع توسّع استخدام العملات البديلة في التجارة بين دول الجنوب.
ويحذر من أن هذا المسار قد ينعكس بارتفاع معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، وتراجع نفوذها في الأسواق الناشئة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وهي مناطق تشكّل اليوم ساحات التنافس الاقتصادي الأهم.
القوة الناعمة والابتكار
يشير الدكتور عربش إلى أن الانسحاب من منظمات التعليم والثقافة وحقوق الإنسان والمناخ يضرب جوهر القوة الناعمة الأمريكية، فهذه المنصات كانت أدوات مركزية لبناء النفوذ المعنوي، وغياب واشنطن عنها يحدّ من قدرتها على قيادة مسارات الابتكار في الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة الآمنة.
في المقابل، تستثمر الصين هذا الفراغ لتعزيز حضورها الدولي، مقدّمة نفسها كقائد بديل في قضايا المناخ والتنمية والطاقة المتجددة.
نظام عالمي جديد قيد التشكل
ويخلص الدكتور عربش إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقيات الدولية لا يشير إلى استعادة للسيادة، بل إلى تسارع الانتقال نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، فتعاظم دور مجموعة «بريكس+» التي تمثل نحو 40% من الناتج العالمي، يعكس تحولاً هيكلياً في موازين القوة الدولية.
وبالرغم من الاضطرابات التجارية المحتملة قصيرة الأمد، فإن الاتجاه العام يؤكد تراجع الهيمنة الأحادية وصعود نظام دولي أكثر تنوعاً، تتوزع فيه مراكز القرار الاقتصادي والسياسي بعيداً عن المركز الأمريكي التقليدي.