باب الندم لوديع الصافي.. “نظرة عتب” لـترجع قلوب الحبايب راضية 

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية- علي الرّاعي:

ع

“اندق باب البيت عالسـكـّيت

كنت وحدي بهالمسا بالبيت

قاعد لحالي راجع حســــــابي

ع سراج صار مخلّص من الزيت”

ذلك ما كتبه مارون كرم، ولحنه وغناه وديع الصافي منذ سنة (1962)، يوم كانت المواهب الشعرية تنبثق كما ينابيع السفوع، والحناجر تصدح بعذوبة الأوف من أعالي الجبال..

في تلك السنين؛ حيث تمتزج المشاعر بالألحان، وتذوب القصائد في الأصوات، تأتي أغنية “ندم – دق باب البيت” لتكون شاهدة على قدرة الفن على تجسيد أعمق حالات الوجد الإنساني.. ورغم عقودٍ طويلة مضت على إنتاج هذه الأغنية، غير أنها ما زالت تتجاوز بكثير زمنها ومكانها، لتصير أيقونة للمشاعر الإنسانية المتأرجحة بين الألم والأمل، بين الغضب والتسامح.

تبدأ الأغنية بمشهد درامي مكثف: “اندق باب البيت عالسكّيت.. كنت وحدي بهالمسا بالبيت”.. من الوهلة الأولى، يضعنا الشاعر في قلب العزلة والتفكر.. إنه المساء، وقت الخلوة والمراجعة، والسراج الذي “صار مخلّص من الزيت”؛ هو استعارة بالغة الدقة للإحساس بالفراغ والإنهاك العاطفي.. إنه رمز للنفس التي استنفدت كلَّ طاقتها في الانتظار أو الحزن.

“مين عم بيدق ع بابي

سألت حالي قبل ما رديت

وصرت استعرض صور أصحاب

مــــرقوا على عيوني بزمان الحب

ومن غير وعي صفيت جنب الباب

تا افتحو وما كـــــــــان عندي قلب

والباب عم بيدق ..

والقلب عم بيدق”

ثم يأتي دق الباب، ذلك الصوت المفاجئ الذي يقطع صمت الوحدة ويثير سؤالاً وجودياً: “مين عم بيدق ع بابي؟”.. السؤال الذي يوجهه البطل لنفسه قبل أن يوجهه للضيف، يكشف عن حالة من التشكك والقلق.. إنه لا ينتظر أحداً، فمن يكون؟ هنا، يبدأ الشاعر رحلة الاستذكار المؤلم: “وصرت أستعرض صور أصحاب.. مَرَقوا على عيوني بزمان الحب”.. إنها لحظة اغتراب، حيث يمر الماضي كشريط سينمائي سريع أمام عينيه، أولئك الأصدقاء والأحبة الذين رحلوا، تاركين إياه وحيداً.

“ايد عم ترجف بلا أسباب

نص شــــقة  بابنا شقيت

اندق باب البيت عالسكيت..

وجمدت لما شفت وجه الضيف

والحكي تخرسن على لساني”

ما تقدم كان عن كلمات هذه الأغنية؛ أم في مساحة الغناء؛ فلم يكن وديع الصافي مجرد مغنٍّ في هذه الأغنية، بل كان قاصاً يحكي بالألحان.. اللحن هنا يبدأ متمهلاً، يعكس حالة التردد والخوف.. عزف العود يقلّد دقات القلب المتسارع “والقلب عم بيدق” ورجفة اليد “إيد عم ترجف بلا أسباب”.. الإيقاع ليس ثابتاً، إنه متقطع أحياناً، كأنه أنفاس رجل مذهول.. وعندما يصل الصافي إلى جملة “من غير وعي صفيت جنب الباب”، نلاحظ كيف يهبط الصوت وكأنه يُهمس، محاكياً حركة البطل الآلية وهو يقترب من الباب بخطوات واهنة، بلا إرادة.

“ما كان ضيفي خصم حامل سيف

ولا بيننا في تـار انســـاني

كان محبوبي الحبيب  ال باعني وحب الغريب

كلمة جفا فلتت من لساني:

لوين راجع بعد ما فلـّيت

ورغرغو عيونه  بدمعات الندم

قال:  سامحني

ماعاد تصدم قلب أكتر ما انصدم

معليش صالحني

عمري على غيابك جحيم وعدم

من النار ريحني

جيت غسّـل ايديك بدموع الندم

دفعت التمن عالبعد وتربيت..”

تصل المفاجأة ذروتها عند:”وجمدت لما شفت وجه الضيف.. والحكي تخرسن على لساني”.. التماثل بين “وجمدت” و”تخرسن” يرسم صورة الكائن الذي تحوّل إلى تمثال من الصدمة.. لكن الشاعر وكذلك المطرب يُذكّرنا أن هذا “الضيف” ليس عدواً “ما كان ضيفي خصم حامل سيف ولا بيننا في تار إنساني”.. هذه التوكيدات مهمة، فهي تُخرج القصيدة من إطار الثأر أو الكراهية إلى فضاء أكثر إنسانية،  الذي هو فضاء الندم.. والضيف هو “محبوبي الحبيب اللي باعني وحب الغريب”. إنه صديقه السابق، أو حبيبه، الذي فضّل عليه آخر. كلمة “جفا” التي “فلتت من لساني” هي شرارة المواجهة، وتعبير عن جرح قديم لم يندمل.. لكن السؤال الذي يليه مباشرة “لوين راجع بعد ما فلّيت؟!” يحمل في طياته ذرة أمل، فضول لمعرفة سبب العودة.

“قلب الحبيب مهما قسي

بيضل  يتذكر ليالي حبيبه الماضية

نظرة عتب  لا أكتر ولا أقل

بترجع قلوب الحبايب راضية”

هنا يأتي دور الندم، بطل الأغنية الحقيقي: “ورغرغو عيونه بدمعات الندم”.. كلمة “رغرغو” باللهجة بلاد الشام تحمل معنى فيضان الدمع وتدفقه بغزارة، وهي صورة بليغة عن ندم صادق لا يمكن تزييفه.. فيما العرض الذي يقدمه الضيف هو “سامحني”، “معليش صالحني”، اعتراف بالخطأ وطلب للغفران..

لكن الذروة الفلسفية للأغنية تكمن في البيتين التاليين: “عمري على غيابك جحيم وعدم.. من النار ريحني.. جيت غسّل إيديك بدموع الندم”.. إنه اعتراف بأن الغياب كان عقاباً للطرفين، جحيماً وعدماً.. و”غسل اليدين” هو طقس توبة، تطهير للذنب بالدمع، وليس بالكلام فقط.. لقد “دفع التمن” كاملاً، ثمن البعد والهجر، وهو الآن يطلب المصالحة.

ويختم الشاعر مارون كرم قصيدته بحكمتين إنسانيتين عميقتين، الأولى: “قلب الحبيب مهما قسي.. بيضل يتذكر ليالي حبيبه الماضية”: وهي حقيقة نفسية تؤكد أن الحب الحقيقي لا يموت، بل يمكن أن يُطمر تحت رماد الغضب أو الإساءة، لكن جمرة الذكرى تبقى متقدة في الأعماق.. والثانية: “نظرة عتب لا أكتر ولا أقل.. بترجع قلوب الحبايب راضية”: هذه هي أشهر جملة في الأغنية وأكثرها عمقاً.. إنها تلخص فلسفة التسامح. فليس مطلوباً خطاباً طويلاً أو وعوداً كبيرة، بل مجرد “نظرة عتب” صادقة، نظرة تعترف بالخطأ وتطلب السماح، كفيلة بأن تذيب الجليد وتعيد السلام إلى القلوب.

في الختام: ثمة من يتحدث عن حكاية واقعية خلف هذه الأغنية، وهي لقاء الشاعر بخطيبته السابقة مع زوجها، والتي تضيف بُعداً مأساوياً آخر.. لكن عبقرية العمل الفني تكمن في تجاوزه للقصة الشخصية ليصير رمزاً لكل من شعر بالخذلان ثم منح فرصة ثانية للمصالحة.. إنه ليس ندماً على حب فاشل فقط، بل ندم على صداقة انقطعت، أو ثقة انكسَرت.. لتُشكّل الأغنية مسرحية إنسانية مصغرة، دراسة نفسية عميقة للعلاقات الإنسانية المعقدة.. لقد نجح مارون كرم في صياغة نص شعري مكثف، يحملُ في طياته كل ألم الفراق ورهبة اللقاء وروعـة الغفران.. كما نجح وديع الصافي في إلباس هذا النص لحناً ينبض بالحياة، وأداءً يتنقل بين قوة الحزن ورقة الأمل.. وأهمية أن نترك للقلب مساحة يتراجع فيها عن غضبه، وأن نمنح الآخرين، ونمنح أنفسنا أيضاً، فرصة لـ “غسل الأيدي بدموع الندم”. لأن “نظرة عتب” واحدة، قد تكون كافية لـ “ترجع قلوب الحبايب راضية”.

Leave a Comment
آخر الأخبار