الحرية – هناء غانم:
قال المستشار والخبير الاقتصادي د.زياد أيوب عربش: إن الجولة الأوروبية للرئيس الشرع، التي بدأت في برلين واختتمت بمحطة في لندن، تمثل منعطفاً استراتيجياً في مسار العلاقات السورية–الأوروبية، إذ تعكس انتقال سورية من مرحلة التثبيت السياسي إلى مرحلة أكثر طموحاً قوامها إعادة الاندماج في الفضاء الاقتصادي الأوروبي.
وأكد عربش في حديثه لـ”الحرية”، أن هذه الزيارة المزدوجة لا تحمل طابعاً دبلوماسياً تقليدياً فحسب، بل تعبّر عن تحول في النظرة الأوروبية تجاه سوريا، التي لم تعد تختزل كساحة أزمات، بل بدأت تستعيد موقعها الجيوستراتيجي كحلقة وصل حيوية بين البحر الأبيض المتوسط وعمق آسيا، وهو ما يفسر تنامي اهتمام الشركات الأوروبية بالاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية داخل سورية، وكذلك في الإقليم الأوسع حيث تتقاطع سلاسل التوريد والممرات اللوجستية.
وأضاف: إن هذه التحركات تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، في ظل استمرار التوترات وعدم وضوح مسار الاستقرار النهائي في المنطقة، ما يجعل من تحقيق السلام المستدام شرطًا أساسيًا لأي مسار اقتصادي جاد.
برلين.. بوابة الشراكات الصناعية والطاقة
وأوضح عربش أن زيارة ألمانيا شكلت فرصة مهمة لاستكشاف شراكات استراتيجية في مجالات الطاقة والبنية التحتية، حيث تم توقيع مذكرات تفاهم مع شركات كبرى في مجال الطاقة ومواد البناء، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن إصلاحات تشريعية حديثة، أبرزها قانون استثمار جديد يتيح التملك الأجنبي الكامل للمشروعات، مع حوافز ضريبية وجمركية تمتد حتى عشر سنوات، ما يعزز جاذبية السوق السورية أمام المستثمرين الدوليين.
وأكد أن جدوى مشاريع البنية التحتية والطاقة ترتبط بأربعة شروط أساسية: استقرار البيئة الأمنية، وضوح الإطار التنظيمي، تطوير أدوات تمويل مبتكرة، وتعزيز التكامل الإقليمي للمشاريع.
كما شدد على أن هذه الشراكات لا تقتصر على البعد الاستثماري، بل تشمل نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة، خصوصاً عبر أنظمة الشبكات الذكية، إضافة إلى خلق فرص عمل وتنشيط سلاسل التوريد المحلية، وإرسال إشارات إيجابية للأسواق الدولية حول تحسن مناخ الاستثمار في سورية.
فرص الطاقة.. إمكانات واعدة وتحديات بنيوية
ولفت عربش إلى أن سوريا تمتلك مقومات استراتيجية مهمة في قطاع الطاقة، من أبرزها موقعها الجغرافي كممر محتمل للطاقة بين الخليج وأوروبا، إضافة إلى مواردها الطبيعية مثل الإشعاع الشمسي العالي والساحل المتوسطي.
لكنّه أوضح أن تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع فعلية يتطلب معالجة تحديات أساسية، أبرزها إعادة تأهيل شبكات النقل والتوزيع، وتحديث المحطات التقليدية لاستيعاب الطاقة المتجددة، إلى جانب تجاوز العقبات التمويلية والعقوبات عبر أدوات مصرفية مبتكرة ونماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
لندن.. البعد المالي والاستثماري
وفي ما يتعلق بزيارة لندن، قال عربش إنها تمثل امتدادًا طبيعيًا للزخم الذي بدأ في برلين، لكنها تضيف بعداً مالياً واستثمارياً مهماً نظراً للدور العالمي للمركز المالي البريطاني.
وأوضح أن هذه المرحلة تعكس تنامي التنسيق الأوروبي–البريطاني حول الملف السوري، مع تركيز متزايد على أدوات التمويل والاستثمار، بما يفتح المجال أمام انتقال نوعي في العلاقة الاقتصادية.
وبين أن هذا الانفتاح على المستثمرين الألمان والبريطانيين يحقق مستويين أساسيين:
الأول يتمثل في تسريع إعادة الإعمار عبر البنية التحتية والطاقة؛
والثاني في دفع التحول الهيكلي للاقتصاد السوري نحو التنوع وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
قطاعات الأولوية الاقتصادية
وأشار عربش إلى أن أبرز القطاعات المرشحة لتحقيق أثر اقتصادي سريع تشمل: قطاع الطاقة باعتباره الأكثر إلحاحاً، وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ثم قطاع النقل والخدمات اللوجستية، خاصة في ظل مشاريع محتملة لخطوط نقل النفط والغاز عبر الأراضي السورية، بما يعزز موقعها كممر إقليمي للطاقة يخدم الأسواق الأوروبية.
الأجندة الاستراتيجية في لندن
وأضاف إن المباحثات في لندن يتوقع أن تركز على ثلاثة محاور رئيسية:
إعادة تفعيل العلاقات الدبلوماسية وفتح السفارات لتسهيل التعاون الاقتصادي.
تعزيز التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب.
إطلاق مبادرات تمويلية لدعم الصادرات البريطانية نحو السوق السورية، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
واختتم عربش حديثه بالقول: إن زيارة الرئيس الشرع إلى لندن تتجاوز كونها محطة دبلوماسية، لتشكل لحظة مفصلية في إعادة تعريف موقع سوريا في معادلات الإقليم، حيث يمكنها، مع تراجع الصراعات، أن تتحول إلى ممر بري استراتيجي يربط الشرق بالغرب.
وأكد أن الرهان الأساسي يبقى على تحقيق الاستقرار المستدام، باعتباره المدخل الحقيقي لأي نهضة اقتصادية، بما يتيح لسورية أن تكون ممراً للتنمية لا نقطة توتر.