مشروع بناء حوض السفن يؤسس لشراكة ذكية بين القطاعين العام والخاص

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- لوريس عمران:

تعدّ الاتفاقية التي وقّعتها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مع شركة (KUZEY STAR SHIPYARD) التركية واحدة من أبرز التحركات الاقتصادية النوعية في المرحلة الراهنة، حيث تفتح باباً جديداً أمام الاقتصاد الوطني عنوانه توطين الصناعات الثقيلة وتعزيز الدور الاستراتيجي للمرافئ السورية، إذ لا يمثل إدخال صناعة السفن وفق المعايير الدولية مجرد مشروع استثماري تقليدي، بل يعكس تحولاً عميقاً في الرؤية الاقتصادية للدولة تجاه القطاع البحري بوصفه رافعة تنموية واعدة.

الانعطاف الهيكلي ونموذج الشراكة الاستثمارية

في هذا السياق أكد الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عيسى خليلو أن هذه الاتفاقية تشكّل نقطة انعطاف مهمة في مسار إعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس إنتاجية مستدامة، ولا سيما أنها تعتمد نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، الذي يسهم بفعالية في تخفيف الأعباء المالية عن الدولة، ويؤسس لشراكة ذكية بين القطاعين العام والخاص قائمة على نقل الخبرة والتكنولوجيا وتحقيق القيمة المضافة.
وأشار الدكتور خليلو لصحيفة “الحرية” إلى أن إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس باستثمار يتجاوز 190 مليون دولار خلال خمس سنوات، يحمل أبعاداً تتجاوز الأرقام المالية لتطول البنية الهيكلية للاقتصاد الوطني، عبر فتح قطاع صناعي جديد يرتبط بعشرات الصناعات الرديفة، ويوفر فرص تشغيل واسعة، ويعزز من موقع سوريا الجغرافي كمركز بحري محتمل في شرق المتوسط.

الأثر على الميزان التجاري واستنزاف القطع الأجنبي

وبيّن خليلو أن الأهمية الحقيقية للمشروع تكمن في نتائجه بعيدة المدى، ولا سيما على صعيد تخفيض فاتورة الاستيراد، ودعم الأسطول البحري الوطني، إضافة إلى رفع كفاءة المرافئ السورية، وتحويلها من مجرد نقاط عبور تجاري إلى منصات إنتاج صناعي متكامل ذات مردود اقتصادي مرتفع، مضيفاً إن امتلاك حوض لبناء وصيانة السفن داخل الأراضي السورية سيؤدي إلى تقليص الاعتماد على المرافئ الأجنبية في عمليات الإصلاح والصيانة الدورية للأسطول الوطني، وهو ما ينعكس مباشرة على تخفيف الضغط عن احتياطيات القطع الأجنبي.
مبيّناً أن المشروع يؤسس مستقبلاً لتقديم خدمات الصيانة وبناء السفن لدول الجوار، ما يحوّل المرفأ من مستهلك للقطع الأجنبي إلى مولد له في حال تم التسويق الإقليمي للخدمات وفق معايير تنافسية.

الاستثمار في رأس المال وسوق العمل

وأشار الدكتور خليلو إلى أن التزام الاتفاقية بتشغيل يد عاملة سورية بنسبة لا تقل عن 95%، وتوفير نحو 1700 فرصة عمل مباشرة و3500 فرصة عمل غير مباشرة، يمثل مكسباً استراتيجياً لرأس المال البشري الوطني، وخاصة في ظل التحديات المعيشية الراهنة، مبيناً أن برامج التدريب ونقل المعرفة المرافقة للمشروع تضع أساساً متيناً لبناء كوادر متخصصة في الصناعات البحرية، وهي مهارات تقنية نادرة في السوق المحلية حالياً، ما يضمن توطين المعرفة بدلاً من استيراد الخبرات الأجنبية.

التحول الوظيفي للمرافئ ومتطلبات الاستدامة

وأوضح الدكتور خليلو أن تحويل مرفأ طرطوس إلى مركز صناعي بحري يمثل نقلة نوعية في وظيفة المرافئ السورية، التي ستنتقل من دورها التقليدي كنقاط عبور تجاري إلى منصات إنتاج صناعي وخدمي متكامل، ما يعزز تنافسيتها إقليمياً.
مؤكداً أن هذا التحول يتطلب مرافقة حكومية دقيقة على مستوى البنية التحتية والتشريعات لضمان اندماج المشروع ضمن منظومة اقتصادية شاملة.
وفي ختام حديثه بيّن الدكتور خليلو أن نجاح المشروع مرهون بعوامل عديدة، أبرزها الاستقرار التشريعي، وتسهيل الإجراءات الإدارية، وتأمين الطاقة، بالإضافة إلى ضرورة وضع خطة وطنية تضمن تكامل المشروع مع بقية القطاعات الصناعية لتعظيم أثره الاقتصادي ومنع تحوله إلى جزيرة استثمارية معزولة.

Leave a Comment
آخر الأخبار