الحرية- لمى سليمان:
تشهد الأسواق العالمية عدم يقين متزايد بسبب بعض السياسات الاقتصادية، وفي ظل هذه التقلبات يبقى مفهوم الملاذ الآمن الهاجس المقلق للمستثمرين فهل سيبقى الذهب الضامن الأساسي طويل الأمد للمدخرات مدعوماً بشرائه من البنوك المركزية منعاً للتضخم؟ أم إن للدولار دوراً أقوى مستغلاً تصاعد قيمته أمام العملات الأخرى؟ وهل سيكون لمغامري الفضة رأي آخر يقتضي ربط دوره بالنمو الصناعي؟ وهل يجوز تنويع الملاذات حرصاً على تدوير الخسارة؟
في إجابة عن الأسئلة السابقة يوضح الخبير الاقتصادي أنس الفيومي مفهوم الملاذ الآمن الذي يشكل حجر الأساس في قرارات المستثمرين عند اشتداد الأزمات الجيوسياسية أو الاقتصادية، غير أنه في السنوات الأخيرة، و ما حملته من تضخم مرتفع وحروب ، واضطرابات في سلاسل التوريد ، وصراعات نقدية بين القوى الكبرى، قادت لطرح السؤال المهم هل يعتبر الدولار الملاذ الآمن للادخار .
المشهد السوري
وفي تصريح لـ«الحرية»” يتناول الفيومي موضوع الملاذات الآمنة من الزاوية السورية فقط، لأنه في عالم يتجه نحو اضطراب نقدي واقتصادي متزايد، لم يعد البحث عن الملاذ الآمن ترفاً استثمارياً، بل ضرورة وجودية للدول والأفراد على حد سواء، هذه الحقيقة تكتسب بعداً مضاعفاً في المنطقة العربية، وخصوصاً في سوريا، حيث تتقاطع الضغوط الداخلية العديدة مع تحولات النظام المالي العالمي.
بداية ما زال الدولار الأميركي يشكل العملة المرجعية الأولى عالمياً، إلا أن دوره كملاذ آمن لم يعد مطلقاً، لأن العقوبات المالية،واستخدام العملة كسلاح سياسي، والتوسع الكبير في السياسة النقدية الأميركية، دفعت دولاً عدة إلى إعادة النظر في هيكلة الاحتياطي لديها، أما بالنسبة لبلدنا، فإن الاعتماد القسري على الدولار في التسعير والتجارة الخارجية وحتى في الموازنات التقديرية، جعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية، دون امتلاك أدوات كافية للظروف الطارئة.
بعض الدول الإقليمية أخذت اتجاه تنويع أدوات الادخار والاحتياطي ، سواء عبر الذهب أو العملات البديلة أو التبادل التجاري بعملات محلية، في محاولة لتقليل مخاطر الانكشاف على الدولار، هذا المسار و إن كان بطيئاً فإنه يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاستقرار النقدي لم يعد مرتبطاً بعملة واحدة.
المعادن الثمينة
يرى الفيومي أن في صورة المعادن الثمينة في المشهد السوري يبرز الذهب كملاذ أكثر ثقة للأفراد، لاسيما في ظل ضعف الثقة بالعملة المحلية لسنوات سابقة، ومحدودية الأدوات الإدخارية المصرفية، والقيود المفروضة على حركة الأموال.
أثبت الذهب خلال السنوات الماضية أنه مخزن قيمة فعّال للأسرة السورية، سواء داخل البلاد أو في دول الجوار ، إذ يحتفظ بقيمته نسبياً بعيداً عن التقلبات الحادة في أسعار الصرف.
أما الفضة فرغم انخفاض كلفته مقارنة بالذهب، إلا أن دوره في الادخار السوري ما زال محدوداً، بسبب تقلب أسعاره وارتباطه بالنشاط الصناعي العالمي، إضافة إلى ضعف سوقه المحلي، ومع ذلك يشكل خياراً مكملاً لا بديلاً، خاصة لصغار المدخرين الباحثين عن تنوع محدود المخاطر .
التنوع الملاذي
في ظل استمرار الضبابية الإقليمية والعالمية مع بداية عام 2026 يبدو أن الرهان على أصل واحد لم يعد خياراً آمناً ، سواء على مستوى الدول أو الأفراد، بالنسبة لسوريا، فإن من ضروريات إعادة بناء الثقة النقدية لابد من تعزيز الاحتياطي الذهبي، وتطوير أدوات ادخار حقيقية، والتخفيف التدريجي من الإرتهان للدولار.
أما على مستوى المواطن، فالقاعدة الذهبية (لاتضع كل البيض في سلة واحدة)، أي تنويع الادخار قدر الإمكان، والابتعاد عن المغامرة في بيئة لا تحتمل الصدمات.