الحرية-إلهام عثمان:
في أسواق دمشق هذه الأيام، تختلط روائح البهارات والمعمول برائحة الترقب. أما المواطن، فكل همه اليومي هو الحساب الدقيق لكل ليرة سورية في جيبه، يتساءل: أين وكيف ينفقها؟ يتوزع قلقه بين مستلزمات عيد الأضحى المبارك ومتطلبات الشهر كله. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه ألسنة اللهب من تحت قدور اللحوم التي باتت حلماً ثقيلاً على موائد الكثيرين، نجد أن «الخير» يأخذ شكلاً آخر غير الشراء والبيع؛ إنه ذلك الرباط المقدس بين الجيران والأقارب، الذي يتحول إلى شبكة أمان مالي واجتماعي بامتياز، خاصة في العشرة الأوائل من ذي الحجة.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يفرض نفسه على واقعنا المعيشي اليوم هو: كيف يمكن للروابط الأسرية والجوارية أن تتحول إلى أداة فاعلة لإعادة توزيع الدخل بشكل غير رسمي، وسد جزءاً من غياب شبكات الأمان الحكومية، في ظل هذه الظروف الاقتصادية القاسية؟
التكافل كآلية اقتصادية غير تقليدية
في حوار لصحيفة “الحرية”، أجرته مع الخبير الإقتصادي جواد الطيب لإلقاء الضوء على هذا الموضوع، قال إن التكافل بين الجيران والأقارب ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل يُشكّل نظاماً اقتصادياً دقيقاً قادراً على امتصاص الصدمات المعيشية، ووفق رؤيته، حيث يتحول هذا النظام خلال مواسم الأعياد ومناسبات الأضاحي إلى صمام أمان لضبط الاستهلاك، إذ يعيد توزيع فائض الطعام والملابس والهدايا بشكل أفقي بين العائلات، ما يُخفف من حدة الطلب على السلع عالية الثمن.
بين ذبح الأضحية وتجزئة البركة
ويوضح الطيب عبر حديثه، أن معظم الأسر السورية اليوم، لا تستطيع شراء أضحية كاملة، لكنها تلجأ إلى منظومة “الشراكة التكافلية”، فيشتري عدد من الأقارب أو الجيران أضحية واحدة، و يقتسمونها، هذه الآلية التي يصفها بالاقتصاد التوافقي، تحقق أربع مكاسب، هذا ما بينه الطيب: وأولها توزيع الأعباء المالية- ترسيخ العلاقات الاجتماعية- تقليل الهدر في اللحوم عبر هبة الجيران لبعضهم بعضاً- إحياء سنة نبوية كانت ولا تزال مدرسة في العطاء.
سلسلة التبادل تُنعش العائلات الأكثر احتياجاً
وبين الأسواق والبيوت، يلفت الخبير إلى دور سلسلة التبادل التكافلي التي تبدأ من الأقارب الأكثر يسراً إلى الأقل، مروراً بالجيران، مشيراً إلى أن هذا النموذج يخلق حركة نقدية وعينية خفيفة لكنها مؤثرة، خاصة مع قرب العيد حيث تتصاعد نفقات شراء الملابس والحلويات، ويضيف: في مجتمعنا السوري، لا يدفع الجار لجاره نقوداً دائماً، بل قد يقدّم كيس طحين أو سكر، أو يستعير أواني الطبخ، وهذا بحد ذاته ناتج محلي إجمالي غير مسجل رسمياً، لكنه ينقذ أسراً بأكملها من شبح العجز.
الخطوات التطبيقية لتعزيز التكافل الذكي
وهنا يقدّم الطيب في سياق تحليله، ثلاث خطوات قابلة للتطبيق تراها الأسرة السورية قد تكون منطقية هذه الأيام وهي:
1. إعلان عن قائمة الرغبات بين الأقارب: وذلك لتجنب ازدواجية المشتريات وتوفير المال.
2. تأسيس صندوق جار رمزي: ويكون ذلك قبل العيد بثلاثة أيام أو أكثر، يساهم فيه كل من يرغب، ويُصرَف على الطوارئ أو شراء حاجات عائلة مجاورة (الأشد عوزاً).
3. عقد مقايضة الخدمات: كمساعدة أحد الجيران في تنظيف المنزل مقابل طبخ بعض الحلويات، ما يخفض التكاليف النقدية ويُشغّل العمالة المنزلية غير المأجورة.
عيدٌ يُبنى بالجِوار قبل الجدران
وفي ظل أزمة غلاء لا تنفك تضغط على نبض الموائد، تبقى صورة الجار الذي يُساعد ولو بأقل ما يملك، هي العنوان الأصدق لعيد دمشقي سوري لا تزينه الأضواء بقدر ما تزينه الأيادي الممتدة بالخير دون حساب.
إن ما يحدث في أزقة دمشق القديمة وضواحيها الجديدة، هو درس حي بأن النقود قد تغدو عاجزة، لكن روح “الجار قبل الدار” تظل هي العملة الأقوى في سوق القلوب.
فهل ندرك أن التكافل اليوم ليس مجرد فضيلة، بل ضرورة اقتصادية بامتياز؟